هذه دوافع “حزب الله” لملاقاة الانفتاح الجنبلاطي عليه

ابراهيم بيرم – النهار

بعيد الكشف عن مسار الاتصالات الأولية بين رئيس الحزب التقدمي الاشتراكي #وليد جنبلاط وقيادة “#حزب الله”، والذي قاد في خاتمة المطاف الى انعقاد “لقاء كليمنصو” قبل أيام، كان اللافت أن أسئلة المعنيين من سياسيين وإعلاميين أوشكت أن تنصبّ حصرياً على سؤال واحد وهو ماذا يضمر زعيم المختارة من هذه الخطوة النوعية التي استقطبت هذا الحجم من ردود الفعل والدويّ، واستطراداً ما هو “موّاله” منها؟




ولا ريب في أن اللقاء ومقدّماته صار حدثاً تتوالى تردّداته منذ أكثر من عشرة أيام، وقد سال حبر كثير في إطار استقراء هذه الخطوة السياسية، ولكن المفارقة أن قلة قليلة كلفت نفسها عناء التنقيب والسؤال عن الأسباب التي أملت على الحزب تلقف التحيّة الجنبلاطية والمسارعة الى الردّ عليها بمثلها إن لم يكن بأحسن منها، خصوصاً أن الأمر من جانب الحزب ينطوي على تجاوز لرحلة عداوة مستمرّة من نحو 3 أعوام تخللها خطاب اتهامي وعدائي وحملات عدائية. واللافت أيضاً هو مسارعة الحزب، لا الى تلقف رسالة الانفتاح الجنبلاطية فقط بل مسارعته على الفور لقطع المسافة الزمنية والمكانية الفاصلة بينهما والمضيّ في رحلة التلاقي معه فبدا الحزب كأنه كان يعدّ العدة اللازمة سلفاً بانتظار لحظة هذا التطوّر.

وكما هي العادة انشطرت الآراء والتحليلات شطرين وهي تحاكم تلقف الحزب القياسية في سرعتها لمبادرة جنبلاط. فمكوّنات مروحة الخصوم بذلوا وما زالوا جهداً استثنائياً للتقليل من شأن هذا اللقاء ولخفض منسوب الرهان على ما يمكن أن يليه حتى إن البعض ركّز على مسألة أساسية وهي أن الزعيم الاشتراكي وإن فتح أبواب كليمنصو لاستقبال وفد الحزب الرفيع فإنه حرص على إظهار التباين وإثبات أنه لم يتنازل قيد أنملة عن اعتراضه المعهود والعالي الصوت على أداء الحزب وسلوكياته وخصوصاً لتوريط الساحة ال#لبنانية في أتون الصراعات الإقليمية، ما فتح أبواب الجحيم على هذه الساحة المنهكة أصلاً.

الحزب بدوره لا ينفي استمرار التباينات والتعارضات في وجهات النظر حيال العديد من الملفات بينه وبين سيد المختارة، وهو ما عبّر عنه بصراحة وشفافية رئيس وفد الحزب الى اللقاء الحاج حسين الخليل، لكن الحزب له في المقابل مطالعته الدفاعية واجتهاده التبريري وهو يدافع عمّا يراه “أهمّية” هذا اللقاء حاضراً ومستقبلاً.

وبناءً على ذلك يقرّ مصدر نيابي في الحزب بأن جنبلاط قد حقق لائحة مكاسب سياسية ومعنوية طويلة من وراء إتمام هذا اللقاء. لذا لم يكن مستغرباً أن “يجرّد” الحزب التقدّمي خلال الساعات الماضية حملة إعلامية شرسة للرد على الذين استهدفوا هذا الحدث وأطلقوا ضدّه حملة من الانتقاد الشرس من باب إثبات أن جنبلاط لديه القدرة والحرّية وليس مكبّلاً بأيّ التزامات تصدّه عن “اتخاذ الموقف الذي يراه مناسباً في اللحظة التي يجدها ضرورية ومناسبة”.

لكن ذلك، على بداهته وبلاغته، لا يعني وفق المصدر عينه أن الحزب قد اندفع الى مربّع التلاقي والانفتاح مع جنبلاط تحت وطأة الصدمة والحاجة أو اعتباطاً من دون التبصّر عميقاً بالمقدّمات واستشراف النتائج.

بداية يرفض المصدر عينه المنطق الذي يزعم أن تلقف الحزب الانعطافة الجنبلاطية والردّ على تحيّته بأحسن منها مؤشر على أن الحزب في صدد الشروع في رحلة سياسية جديدة نتيجة حسابات ما أفرزته الانتخابات النيابية الأخيرة من نتائج ومعادلات في داخل المجلس الجديد والتي أسقطت من يده ورقة الأكثرية السابقة.

المصدر نفسه يذكّر بأن الحزب جنح منذ زمن وبناءً على قراءة معمّقة للتجارب في واقع متحرّك، نحو دائرة السياسة البراغماتية ونحو المرونة ومغادرة لعبة التصلّب. لذا فإن ذهابه الى ملاقاة جنبلاط في منطقة وسطى إنما هو مبنيّ على اعتبارات عدّة:

الأول: أن زعيم المختارة هو من بادر الى طرق باب الحزب الذي سارع الى الردّ إيجاباً “لأن ثمة تقاطعاً على مصالح مشتركة”.

الثاني: أن الحزب يعرف قدر نفسه ومكانته ودوره في معادلة الداخل ويعرف تماماً حجم أوراق القوة التي يكتنزها في معادلة الإقليم، لذا فإنه على وعي من أن يسير الى مربع التلاقي مع طالب اللقاء من موقع القادر والمالك لا من موقع الضعيف والمستجدي لضمانة أو حصانة. لذا لا يجد أيّ ضير في إنجاز اللقاء والسير بسياسة الانفتاح.

الثالث: أن الحزب ككل مستغرق بالشأن الوطني من موقع محوري يعرف تمام المعرفة معنى دنوّ موعد الانتخابات الرئاسية ويعي في الوقت عينه أن هذا الملفّ البالغ الحساسية ليست حساباته وتشابكاته والعناصر المرجّحة والحاسمة داخلية محضة وإن كان يعرف أن الداخل له دور مرجّح. والحزب في هذا الإطار لا يجهل بطبيعة الحال أنه في ظلّ التركيبة النيابية الجديدة يملك جنبلاط، الساعي الى تموضع جديد، ورقة لا يُستهان بقوّتها وتتمثّل في كتلته النيابية الثمانية التي تشكل فعلاً كما أظهرت انتخابات مطبخ المجلس أنها قوّة مرجّحة وبيضة قبّان حقيقية.

ويرفض المصدر عينه التعليق على كلام فحواه أن الحزب بات يتبنّى توجّهاً جديداً في اتجاه مقاربة ملفّ الانتخابات الرئاسية يقوم على أمرين:

– أنه لم يعد في وارد تحمّل مسؤولية أيّ عهد رئاسي والظهور بمظهر الحامي له.

– أنه بناءً على ذلك يريد (الحزب) أن تكون غالبية الأطراف السياسية شريكة في لعبة اختيار الرئيس الجديد.

ويقول “لا نأتي بجديد إذا قلنا إن ثمة معطيات جديدة طرأت تفرض مقاربة جديدة لموضوع الرئاسة الأولى. لكن ذلك على أهمّيته لا يعني إطلاقاً أننا نضع أنفسنا خارج السياق أو نخلي الساحة ونصير غير معنيّين”.

ويختم المصدر عينه “إننا ضمناً نجد إيجابية أساسية نتجت عن اللقاء مع جنبلاط، وهي أنه سدّد ضربة موجعة لحزب سياسي يوظف فقط شعار أن يكون له دور في اختيار الرئيس وأن جلّ اهتمامه ينحصر في منع وصول مرشّح نزكّيه وندعمه”.