تعديل وزاري كبير لتهدئة الرأي العام الغاضب في مصر

وافق مجلس النواب المصري في جلسة طارئة السبت على تعديل في حكومة مصطفى مدبولي شمل 13 حقيبة وزارية، غالبيتها تنتمي إلى وزارات خدمية أخفقت في تحقيق تطلعات المواطنين وكانت سببا في إثارة غضب عارم في صفوفهم، أبرزها التعليم والصحة والري والقوى العاملة والهجرة والسياحة والتنمية المحلية والثقافة.

ولجأ الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي إلى إجراء التغيير بعد أن فشلت الوزارات التي شملها التغيير في تحقيق تطلعات المواطنين، ما أدى إلى حالة من السخط كادت ترتد إلى صدر مؤسسة الرئاسة لأنها بدت كمن يتمسك بوزراء لم يحسنوا التعامل مع تطلعات الجماهير في وقت تتصاعد فيه الأزمات الاقتصادية.




وقالت مصادر مصرية لـ”العرب” إن “وزراء المجموعة الاقتصادية، وفي مقدمتهم وزير المالية ووزير التخطيط والتعاون الدولي، لم يتم الاقتراب منهم لأن مهمتهم التواصل مع صندوق النقد الدولي وجلب المزيد من القروض والمساعدات الخارجية لاستكمال برنامج الإصلاح الاقتصادي، واقتصر التغيير في هذه المجموعة على وزيرة التجارة والصناعة نيفين جامع”.

وأضافت المصادر ذاتها أن “رأس الحربة في إجراء التغيير الوزاري الذي تأجل أكثر من مرة هو وزير التربية والتعليم طارق شوقي، حيث زاد الاعتراض على خطته للتطوير عقب ظهور نتيجة الثانوية العامة (البكالوريا) قبل أيام وما صاحبها من انتقادات حادة قادت إلى قيام أولياء أمور بعض الطلاب باحتجاجات أمام مقر الوزارة وسط القاهرة، وكان يمكن أن تتحول هذه الاحتجاجات إلى شرارة غضب لو لم يتم نزع فتيلها بتغيير شوقي”.

وأكدت مصادر أخرى لـ”العرب” أن “تولي رضا حجازي حقيبة التعليم، بعد أن شغل منصب نائب الوزير المُقال (طارق شوقي)، لا ينطوي على تغيير ملموس في الوزارة؛ فحجازي كان أحد أعمدة وزارة التعليم وعاصر عددا كبيرا من الوزراء، ما يقلل من فرص أن تكون له بصمات حقيقية في وزارة تهم نحو 20 مليون أسرة في مصر”.

ويوحي تغيير عدد من الوزراء في الوقت الراهن بأنهم يتحملون وحدهم مسؤولية الفشل الذي لحق بأداء الحكومة في الفترة الماضية، والتي لم يتغير رئيسها مصطفى مدبولي بعد تكهنات أقرّت بإمكانية أن يشمله التعديل الجديد، ويبدو أنه سيظل ورقة يحتفظ بها الرئيس وربما يلجأ إليها إذا فشلت خطوة تغيير الوزراء في امتصاص الغضب المكتوم.

وفُهم من تغيير وزير المياه والري محمد عبدالعاطي أنه مسؤول عما وصلت إليه الحكومة المصرية من إخفاق في إدارة أزمة ملف سد النهضة، فقد جاء تغييره عقب يوم واحد من إعلان إثيوبيا الانتهاء من مرحلة الملء الثالث للسد، وتم استبداله بالدكتور هاني سويلم أستاذ الموارد المائية والتنمية المستدامة في جامعة آخن الألمانية.

ويشير اختيار سويلم وما يملكه من مؤهلات علمية في مجال تخصصه إلى أن الحكومة ستنتهج نهجين متوازيين، أحدهما التوسع في مجال تحلية المياه لسد العجز المتوقع في مياه نهر النيل بعد قرب اكتمال السد، والثاني الاستفادة من حديث التصدعات في سد السرج المكمل لسد النهضة، وذلك باعتبار أن سويلم من المهتمين بالملفين.

وأنهى نقل وزير التعليم العالي خالد عبدالغفار إلى وزارة الصحة جدلا أثير حول الوزيرة السابقة هالة زايد التي ظلت حقيبتها شاغرة مدةً تقارب العام بعد حديث عن تورطها في قضايا فساد داخل وزارتها ولم تثبت المحكمة إدانتها ولم تعد إلى مقعدها في وزارة الصحة.

ويحمل تغيير وزير قطاع الأعمال العام هشام توفيق إشارة واضحة إلى إطفاء الغضب الذي أثارته تصريحاته بشأن بيع عدد من الشركات التاريخية التابعة للدولة، وتهدئة الرأي العام؛ لأن الحكومة ستتوسع في سياسة الخصخصة وفقا لما تضمنته وثيقة سياسة ملكية الدولة، ومن المهم تمرير هذه الوثيقة من خلال الوزير الجديد محمود كامل عصمت الذي لم يُحرق سياسيا بعد.

ويُعزى تغيير وزيرة الهجرة والمصريين في الخارج نبيلة مكرم إلى القضية التي أثير حولها لغط عقب اتهام ابنها بالتورط في عملية قتل بالولايات المتحدة في أبريل الماضي، وكأن لسان حال شريحة من المواطنين يقول إن الوزيرة المشغولة بحل مشاكل المصريين في الخارج لم تحسن تربية ابنها، ما تسبب للحكومة في حرج بالغ.

ويبدو أن الحقائب التي شملها التعديل الوزاري كانت لها علاقة وثيقة بما أثير حولها من شبهات إخفاق أو فساد أو حرج أو غضب، أو جميع ذلك، وأن الغرض منه تهدئة الرأي العام الذي يئن تحت وطأة الأزمة الاقتصادية، ولم يمس التعديل جوهر المنهج والسياسات التي يضعها رئيس الجمهورية، فالوزراء في الحكومة هم جهة تنفيذ.

وأكد مستشار مركز الأهرام للدراسات السياسية والإستراتيجية عمرو الشوبكي أن التعديل استهدف “ضخ دماء ووجوه جديدة يمكن أن تسهم في تحسين معدلات الأداء العام لتنفيذ السياسات القديمة نفسها”، مضيفا أن النظام الحاكم بعث من قبل عدة رسائل يفيد مضمونها بأن مراجعة خططه الاقتصادية والسياسية لم يحن وقتها.

وأوضح في تصريح لـ”العرب” أن “الأفكار التي طرحتها نخب وطنية مؤخرا بشأن الاستعانة بخبراء مصريين في الخارج لإنقاذ الوضع الاقتصادي لم تتم الاستجابة لها، سوى في حالة وزير المياه والري هاني سويلم الذي يعمل بجامعة آخن، واختار النظام بشكل عام منح ديناميكية جديدة لخياراته الحالية من الداخل”.

وخول الدستور المصري لرئيس الجمهورية إجراء تعديل وزاري بعد التشاور مع رئيس مجلس الوزراء، وأن يرسل كتابا بذلك إلى مجلس النواب يبين فيه الوزارات المراد إجراء تعديل فيها، وتكون الموافقة على التعديل بموافقة أغلبية الأعضاء الحاضرين وبما لا يقل عن ثلث عدد النواب، وهو ما حدث ظهر السبت.

وجرت جلسة التغيير في البرلمان المصري بسلاسة ملحوظة، لأن معظم الأعضاء ينتمون إلى أحزاب مؤيدة للرئيس السيسي ولا اعتراض لهم على التغيير ووافقوا على جميع الترشيحات، ومن يقفون في صف المعارضة لا يتجاوز عددهم أصابع اليد الواحدة وصوتهم يكاد يكون غير مسموع وسط المئات من المؤيدين.