حليب الأطفال مفقود في لبنان.. الأهالي يستغيثون والرضع يئنون من الجوع

أسرار شبارو – الحرة

“قبل ثلاثة أسابيع فرحت بقدوم طفلتي مارية إلى هذه الحياة، من دون أن أتوقع أني سأعاني لتأمين أبسط حقوقها، فحتى الحليب قوت يومها أمر صعب المنال في بلدنا، مع فقدانه من الصيدليات وبيعه في السوق السوداء”، بهذه الكلمات عبر الإعلامي والممثل الكوميدي، بلال مواس، عن الأزمة القديمة المتجددة التي يدفع ثمنها أطفال لبنان.




يحاول مواس تأمين الحليب لابنته إما من خلال معارفه في بلاد الاغتراب أو من خلال صيدلية تجمعه بمالكها علاقة صداقة، إلا أنه يشعر بالذنب، كونه يخشى أن تنعم طفلته بطعامها فيما أطفال آخرون محرومون من ذلك، ويقول “بالكاد تتسلم كل صيدلية في لبنان عبوتين أو ثلاث عبوات من الحليب، كيف لهذه الكمية القليلة أن تكفي كل أطفال المنطقة، للأسف وصلنا إلى زمن حتى من يملك المال يعجز عن شراء الاحتياجات نتيجة عدم توفرها”.

لم تستثن الأزمة الاقتصادية التي تعصف بلبنان منذ عام 2019، الشريحة الأكثر هشاشة، إذ فرض على الأطفال كذلك دفع ثمن المرحلة الصعبة، إلى حد أن حياتهم معرضة للخطر كون الأمر يتعلق بأمنهم الغذائي.

كل ما يتمناه مواس ألا يأتي يوم تفتقد فيه طفلته مقومات صمودها، وكما يقول لموقع “الحرة”، “كل شيء وارد في هذا البلد، الأمر لا يقتصر على الحليب، فقد تحتاج إلى دواء ولا أتمكن من العثور عليه، وصلنا إلى مرحلة يرعبنا فيها المرض، سواء نتيجة فاتورة الاستشفاء التي تفوق قدرة الغالبية العظمى من اللبنانيين أو نتيجة عدم توفر العلاج، وكأننا نعيش على حافة الموت لا نعلم متى تزل قدمنا ونقع في حفرته”.

يتصدر فقدان حليب الأطفال من الصيدليات المشهد، مواقع التواصل الاجتماعي تضج بصرخات الأهالي، حيث تم إنشاء صفحات خاصة لعرض حاجتهم إلى حليب، وسط استفحال هذه الأزمة القديمة المتجددة، فالصورة لم تكن مختلفة العام الماضي، نتيجة عدم توفر الأموال في مصرف لبنان لفتح الاعتمادات اللازمة لهذا الغذاء الأساسي، ما دفع الحكومة اللبنانية إلى رفع الدعم عن جزء من فئات الحليب وإبقاء الدعم جزئيا على البعض الآخر، ومع هذا لم تحل المشكلة بشكل نهائي.

“احتكار وجشع”

أطلق الصحفي، حسين خريس، صرخة عبر صفحته على “فيسبوك”، بعدما تفاجأ بعودة أزمة الحليب، حيث لم يعثر على عبوة لطفلته الرضيعة في أي من صيدليات لبنان، الأمر الذي دفعه إلى دعوة الأهالي للتحرك ضد الشركات المستوردة، ويقول “لدينا تجربة سابقة مع المحتكرين، فلم ننس بعد كيف تم إتلاف أطنان من الحليب العام الماضي نتيجة جشعهم وانتظارهم رفع الدعم لجني الأرباح، في وقت كان أطفالنا يئنون من الجوع”.

وعبر خريس عن استغرابه في حديث لموقع “الحرة” من تحكم من وصفهم بـ”مصاصي الدماء” بغذاء الأطفال، ويقول “بعد الصرخة التي أطلقتها، عقد وزير الصحة في حكومة تصريف الأعمال، فراس أبيض، اجتماعا مع الشركات المستوردة للحليب، من دون أن تذكر الوزارة في بيانها أسماء هذه الشركات وأصحابها”، ويشدد “لماذا هذا الغموض حولهم، فمن حق الشعب اللبناني أن يعرف من هؤلاء الذي يتحكمون بغذاء أطفالنا، فإلى متى سيبقى المحتكرون في بلدنا مجهولين؟”.

يتحجج المحتكرون كما يقول الصحفي “بعدم فتح مصرف لبنان الاعتمادات لهم لاستيراد الحليب، في وقت يتحجج المصرف بعدم توفر الأموال نتيجة السياسات المالية التي فرضت عليه كما يدعي، وبإضراب موظفي القطاع العام الذي يحول دون التمكن من إنجاز معاملات تفريغ البضائع في المرفأ، باختصار كل طرف يرمي المسؤولية على الطرف الآخر كما جرت العادة”.

رد وزير الصحة أسباب عدم توفر حليب الأطفال والرضع  في السوق اللبناني، رغم “إنجاز الوزارة الموافقات على الاستيراد في الوقت اللازم وإجراء التفتيش الصيدلي الكشف المطلوب على المرافئ البحرية والمطار” إلى “الإضراب المفتوح الذي نفذه القطاع العام في أكثر من إدارة عامة معنية بإنجاز معاملات الاستيراد، مما أخر إدخال الحليب، حيث بقي جزء من الكمية المستوردة عالقا في المرفأ لمدة تراوحت بين أسبوع وثلاثة أسابيع”.

وكان موظفو الإدارة العامة بدأوا إضرابا مفتوحا في 13 يونيو الماضي إلى حين تحقيق مطالبهم وعلى رأسها تصحيح أجورهم وبدلات النقل والتقديمات الصحية والتعليمية.

إضراب موظفي القطاع العام طال الأطفال كما يقول مواس على أكثر من صعيد، شارحا “لم استطع تسجيل ابنتي في الدوائر الرسمية عند ولادتها بسبب إقفال دوائر النفوس، ورغم فتح أبوابها بداية الشهر الحالي إلا أني أخشى أن يعاود الموظفون الإضراب قبل أن أتمكن من الاستحصال على أوراق ثبوتية لها بالسرعة المطلوبة، نتيجة البيروقراطية القاتلة حيث أن أبسط معاملة يحتاج إنجازها مدة زمنية طويلة”.

وعبر مواس عن دعمه للمطالب المحقة مع عتبه بعض الشيء على موظفي الإدارة العامة “المعتكفين في بيوتهم، من دون أن يبالوا بانعكاس خطوتهم على كل اللبنانيين من دون استثناء” ويشدد “نحن جميعا في مركب واحد تتقاذفه أمواج السلطة الظالمة التي تريد الإيقاع فيما بيننا”.

رغم إضرابهم يقبض موظفو الإدارة العامة رواتبهم، لذلك بالحد الأدنى كما يقول مواس “عليهم العمل ولو ليوم واحد في الأسبوع لتسيير أمور المواطنين، فأي دولة هذه التي لا يداوم فيها موظف لإنجاز المعاملات نتيجة عدم حصوله على حقوقه، بينما أفراد السلطة يقبضون رواتب خيالية مع كل الحوافز والزيادات، وفي النهاية الإضراب لا يمس فقط الجوانب العملية للمواطنين بل أرواح أطفال”.

وكانت وزارة الصحة أكدت حصول انفراج في تأمين الحليب في السوق اللبناني بعد انقطاعه في الفترة الماضية، حيث “تواصل أربع شركات مستوردة منذ أسبوع عملية التوزيع في السوق”.

سبق أن أشارت “اليونيسف” العام الماضي إلى أن أكثر من 30 في المئة من الأطفال في لبنان ناموا ببطون خاوية خلال الشهر الذي سبق إعداد تقريرها، لعدم حصولهم على عدد كاف من وجبات الطعام، كما أوضحت أن 77 في المئة من الأسر لا تملك ما يكفي من غذاء أو مال لشراء الغذاء، وترتفع هذه النسبة بين الأسر السورية إلى 99 في المئة.

وبحسب الوكالة الأممية، فإن 60 في المئة من الأسر تضطر إلى شراء الطعام عبر مراكمة الفواتير غير المدفوعة أو من خلال الاقتراض والاستدانة، و30 في المئة من الأطفال لا يتلقون الرعاية الصحية الأولية التي يحتاجون إليها، وأعربت 76 في المئة من الأسر عن تأثرها الكبير بالزيادة الهائلة في أسعار الأدوية.

كما حملت الأمم المتحدة، الدولة اللبنانية بما في ذلك مصرفها المركزي المسؤولية “عن انتهاكات حقوق الإنسان، والإفقار غير الضروري للسكان، الذي نتج عن هذه الأزمة التي هي من صنع الإنسان”.

تمهيد لـ”جريمة”

الوضع الصعب دفع إحدى الأمهات إلى الاستغاثة والرجاء عبر “فيسبوك” للحصول على أي نوع كان من الحليب لطفلها كون “وضعه صعب” كما وصفت، في حين أوصلت الظروف المادية والدة إلى طلب مقايضة علبة حليب بحفاضات لطفلها، منشورات عدة يصعب التصديق أنها تعكس حالات لبنانيين يعجزون عن تأمين حاجيات صغارهم.

لوضع الصعب دفع إحدى الأمهات إلى الاستغاثة والرجاء عبر "فيسبوك"
لوضع الصعب دفع إحدى الأمهات إلى الاستغاثة والرجاء عبر “فيسبوك”

أرخص عبوة حليب سعرها حوالي مئة ألف ليرة، وما يجري اليوم بحسب خريس “مقدمة لرفع الدعم كليا عنه، حيث سيصل سعر عبوة الـ400 غرام إلى 13 دولار أي نحو 400 ألف ليرة، ما يعني أن جريمة ستنفذ بحق صغارنا، فالطفل دون سن الستة أشهر لا يمكنه تناول سواه، فماذا سيكون مصيره إذا كان والده لا يملك القدرة المادية لشرائه”.

أوصلت الظروف المادية والدة إلى طلب مقايضة علبة حليب بحفاضات لطفلها
أوصلت الظروف المادية والدة إلى طلب مقايضة علبة حليب بحفاضات لطفلها

وأكد أن “المحتكرين يقتلون الأطفال بسيف السلطة التي تحميهم، فاليوم تباع عبوات الحليب في السوق السوداء، حيث وصل سعر الواحدة منها إلى نحو 600 ألف ليرة، أما الحليب الخاص بالأطفال الذين يعانون من حساسية ضد بروتين حليب البقر، فيبلغ سعر العبوة الواحدة منه بحجم 400 غرام حوالي 600 ألف ليرة في حال تواجدها في الصيدليات، فكيف إن كانت تباع في السوق السوداء”.

يحتاج الرضيع إلى حوالي عبوتين من الحليب أسبوعيا، أي 8 عبوات شهريا، فإذا كان السعر الأدنى للعبوة 100 ألف ليرة لبنانية يعني أن تكلفتها 800 ألف ليرة شهريا، أما إذا كان يحتاج إلى حليب خاص ضد الحساسية فعلى العائلة دفع 4 ملايين و800 ألف ليرة شهريا، في وقت لا يزال الحد الأدني للأجور في لبنان 675 ألف ليرة، هذا عدا عن باقي حاجيات الطفل من حفاضات وطبابة ولقاحات وأدوية وغيرها.

منشورات عدة يصعب التصديق أنها تعكس حالات لبنانيين يعجزون عن تأمين حاجيات صغارهم.
منشورات عدة يصعب التصديق أنها تعكس حالات لبنانيين يعجزون عن تأمين حاجيات صغارهم.

رد، داني خوري، (موظف في شركة فتّال المستوردة للحليب) سبب النقص الحاصل في السوق إلى “استمرار الدعم 50 في المئة على عبوات حليب الأطفال رقم واحد واثنين والـ(special)، ما يعني أن استيرادها يحتاج إلى فتح اعتمادات من قبل مصرف لبنان، في وقت يقتصر توقيع الحاكم على كميات قليلة”، وأكد في حديث لموقع “الحرة” أنه “أسبوعيا يتم فتح اعتمادات، ونحن نسلم الكميات بالتساوي على الصيدليات”.

من جانبه أشار نقيب صيادلة لبنان، جو سلوم، في حديث لموقع “الحرة” أن “موضوع حليب الأطفال منوط بموضوع الدواء، آملا أن تحل الأزمة خلال الأسابيع المقبلة، بعد التوصل إلى حلول بين الشركات المستوردة والمصدرة، ويشدد “الموضوع إنساني، وكنقابة نتواصل مع كل الجهات المعنية لكي لا يحرم طفل من غذائه الأساسي”.

في خضم أزمة الحليب والدواء حذر سلوم، الجمعة، في بيان من تصعيد ستلجأ إليه نقابة الصيادلة بعد توقيف صيدلي في منطقة جب جنين، “بتهمة وجود أدوية منتهية الصلاحية في صيدليته، من دون مراجعة نقابته”، وشرح “هذا الأمر ناتج عن توقف الوكلاء عن استرجاع الأدوية تنفيذا لقرار يناقض قانون مزاولة مهنة الصيدلة القاضي باسترداد الأدوية المنتهية الصلاحية، وقد تقدمت نقابة الصيادلة بطعن أمام مجلس الشورى بذلك”.

واعتبر نقيب صيادلة لبنان أن “الصيادلة ضحية عدم أخذ مرتجعات الأدوية المنتهية الصلاحية” مؤكدا أن “النقابة تحتفظ لنفسها بحق اللجوء إلى كل الخطوات المشروعة ومنها الاقفال يوم الاثنين المقبل إذا لم يفرج عن الصيدلي”.