“عنبر 12” يسرد بعد عامين القصة الكاملة لانفجار بيروت

شاقة صناعة فيلم وثائقي عن انفجار عاصمة وشاقة الكتابة عنه. فيلم للمخرج بول روسيل قُدم من خلال مهرجان الأفلام الوثائقية الفنية الذي تنظمه سنويا صاحبة “صالة أليس مغبغب” عبر تطبيق “زووم” متيحا للمُشاهد في العالم إطلالة على حدث تفجير بيروت الجهنمي ومحاولا الكشف عن الحقائق المتعلقة به من خلال ما اعتبره الشعب بوجه المنظومة السياسية القاتلة “تفجيرا وليس انفجارا، جريمة وليس حدثا أمنيا، شهداء سقطوا وليسوا قتلى”.  وتؤكد القيمة على مهرجان “أليس مغبغب” أن الهدف الدائم لهذا المهرجان هو “مواجهة الحقيقة وسبر أغوار النفس والذاكرة الإنسانية من خلال الفن”. ولا يخرج هذا الفيلم الوثائقي عن هذا المنطق بجماليته وقدرته على إيصال المعنى.

مشقّة الكتابة عن الفيلم ملازمة لمشقة إخراجه لأن الموضوع المتناول هو جرح حيّ وهو جريمة لم يصار إلى كشف ملابساتها، وهو قضية تحمل في نسيجها اشتراكات طالت دولا أخرى معنية أو متورطة بالانفجار الذي يستمر حدوثه بأشكال أخرى تحمل في تركيبتها شيئا ما من عناصر تفجير 4 أغسطس.




ويذكر البيان الصحافي “الفيلم مدته 82 دقيقة. قررنا عرضه قبل ذكرى الانفجار بعدة أيام. انفجار شُبه بانفجار نووي قتل وجرح ودمر جزءا من المدينة وألحق أضرارا هائلة بقسم كبير منها وشرد عائلات وقضى على معالم هندسية تراثية كبيرة”.

لسنا بصدد عرض ما قدم الفيلم ولا بصدد “سرد” يوم 4 أغسطس على القراء، وهو سرد موجود بوفرة هائلة في كل الوثائق المكتوبة والمصورة. نترك مهمة رؤية ما في الفيلم لمُشاهده ونحاول في الأسطر التالية التركيز على مكامن قوة وضعف هذا الفيلم الوثائقي.

من ناحية حشد الفيلم عدداً كبيرا من الصور الفوتوغرافية المؤثرة وشرائط مصورة التقطت عند وبعيد الانفجار ليشد اهتمام المُشاهد باستمرار. الوثائق البصرية كانت كفيلة، بعددها الكبير ونقائها تقنيا وانسيابها الذي تسهل مُشاهدته في هيكلة توليف قوية، بأن تعطي صورة كافية عن حجم القتل والدمار والأسى النفسي الذي خلفه الانفجار.

غير أن فعل ارتكاز الفيلم على المقابلات التي طالت متضررين كثيرين وشاهدين على الانفجار المزدوج الذي هزّ العاصمة بأسرها جعل منه شريطا إخباريا مُطولا حاول بُعيد منتصفه أن يقيم نوعا من الاستقصاء نجح في قسم منه بسبب وفرة المقابلات التي لم تضم شهودا وضحايا فقط، ولكنه أخفق في قسم آخر ليفتقر بذلك إلى أهم مقوم من مقومات الفيلم الوثائقي والذي هو الموضوعية.

صحيح أنه لم يبخل في إحضار الشهود، ولكن هناك غياب مدوّ لنص مرافق وإن كان قصيرا يعمّق مضمون الفيلم الذي يدعي أنه “وثائقي”، ربما لأن تغييب أي نص كان لدرء خطورة ما فضل منتجو الفيلم تفاديه لأسباب سياسية.

وطرح الفيلم أسئلة مهمة، وتجاهل أخرى: لماذا تمّ استبعاد المحقق الرئيسي في الجريمة؟ والأهم من ذلك لماذا يقبع في السجن من كان أول من لفت النظر إلى ظروف الجريمة قبل أشهر عديدة من حدوثها؟

وضع الفيلم حزبا لبنانيا واحدا تحت المجهر ولكن لم يلمّح إلى فرضية دور إسرائيل في هذا التفجير على الرغم من وجود الكثير من الشهود الذين شاهدوا وسمعوا بوضوح شديد صوت طيران ثواني قبيل الانفجار.

قد يقول البعض إن الفيلم لا يُعنى إلا بتقصي هوية واضع المواد الخطيرة ومن تستر على وجودها. ولكن كيف يمكن اعتبار هذا الاعتراض جادا عندما يدعي الفيلم أنه “القصة الكاملة لانفجار بيروت”؟ وهل “التعاون” المشترك (إراديا أو غير إرادي) بين من وضع المواد المتفجرة ومن تستّر على وجودها واحتمال وجود طرف استغل علمه بوجود المواد المتفجرة ليقصف ويفجر أمر تافه ولا يستحق الإشارة إليه؟ وماذا بالنسبة إلى الدول الأخرى التي اتسمت بالبلادة الفاجرة حيال ما حصل؟ وهل هذا السؤال الأخير لن يفترض هو الآخر تواطؤا من نوع آخر بين أطراف محلية ودولية ساهمت أو سهلت أو تغاضت عن تفجير قلب بيروت؟

ولماذا قام الفيلم الوثائقي بتصويب أسهمه نحو بلد دون آخر؟ لماذا، في الإشارة من خلال كلام شخصية من الشخصيات “الجدلية” الأساسية في حركة 14 مارس والتي وثق بها الشعب اللبناني ولم تصلح أي جانب من الفساد، ذُكر أن “ميليشيات الحرب مازالت تتحكم في البلاد” ولم يختر صانع الفيلم إلا وضع صورة لواحد فقط من عناصر هذه الميليشيات؟

ارتكاز الفيلم على المقابلات جعل منه شريطا إخباريا مُطولا حاول بُعيْد منتصفه أن يقيم نوعا من الاستقصاء

وكيف يمكن لفيلم ظهر في أكثر من ثلثي مدته أنه استعراضي مبني على المُقابلات أن ينزلق فجأة إلى السياسة الإقليمية وألا يتابع طرح المزيد من الأسئلة واختار على سبيل المثال وضع بصريات قتل الأطفال السوريين على يد رئيسهم المجرم؟ لسنا بصدد الدفاع عن أي أحد من المشتبه فيهم لاسيما أن جرائمهم موثقة، ولكن نقول “إن أراد أي وثائقي أن يفتح هذا الباب فعليه أن يدخل مُحصنا بالرؤية الواسعة

الشاملة لكل الاحتمالات الأكثر جنونا لاسيما في جريمة هي أكبر من حجم البلد بكثير”.

وفي المقابل جز مخرج الفيلم صورة لرئيس فرنسا إيمانويل ماكرون في الشق الأخير من الوثائقي (الذي تميز فنيا بضعف من ناحية السرعة بالنسبة إلى ما سبق) وهو بين الشباب اللبنانيين في زيارته الشهيرة إلى منطقة الجميزة الأكثر تضررا بالانفجار حيث ترجّاه بضعة شبان لبنانيين “أرجوك سيدي الرئيس قم بانتداب لبنان وخلصنا”. ألم يع المخرج أن هذه اللقطة بحد ذاتها تحتاج إلى فيلم وثائقي؟ ويطول الحديث هنا ونحن لسنا بصدد ذلك وأقل ما يقال إن موقف الرئيس من هذا الانفجار ليس سرا ولا كيف طالب بتحقيق دولي نكرته الجهات المعنية هو أيضا بسر.

من ناحية أخرى كيف يمكن لفيلم وثائقي طويل يعتبر الانفجار نوويا ألا يخرج بعدسته إلى المناطق الأخرى من بيروت كرأس النبع وحيّ اللجي ومحطة أيوب وغيرها من المناطق؟ لماذا اختار مستشفى واحدا للتحدث عنه وفي بيروت توجد العشرات من المراكز والمستشفيات التي استقبلت أكثر مما تستطيع من المصابين؟ كيف لم تطل مقابلاته عينات متنوعة من المجتمع اللبناني بمآسيها الموجعة عن هذا الانفجار؟ ماذا بالنسبة إلى المارين بتلك المناطق وليس فقط سكانها؟

الفيلم وضع حزبا لبنانيا واحدا تحت المجهر ولكن لم يلمّح إلى فرضية دور إسرائيل في هذا التفجير

وللمفارقة أن هاجس طرح الأسئلة ومُساءلة كل الأطراف المنخرطة في أي مأساة يتطابق بشكل تام مع فلسفة أليس مغبغب ومنطق المهرجان السنوي إذ قالت في أكثر من مناسبة إن أهمية الفنون تكمن في قدرتها على طرح الأسئلة وحض الآخر على طرحها، وهذه القدرة هي التي تُبقي أي شعب على قيد الحياة.

في نهايات الفيلم الوثائقي يبرز التركيز على كون هذا الانفجار ليس وليد لحظة بل هو نتيجة فساد مستشر وسيطرة أجيال من المجرمين الذين تعاقبوا على الحكم.

أما الشق الذي يتحدث فيه المصور ضياء مراد والمصور روجيه مكرزل عن كيفية توظيف تجربتهما فنيا فهو مدعاة للتأمل،وهو من أهم ما قدم الشريط الوثائقي ربما لأنه ساهم في إظهار كيف أن الفن هو الأصدق في التعبير عن حقيقة الفاجعة وعن كون عينة واحدة اختارها الفنان/المصور في صورته الفنية قادرة على التكلم، دون أي انحياز إلى طرف دون آخر من شركاء الوطن، عن معنى الوجع اللبناني كله بخليطه الاجتماعي الشديد التنوع.

وتبقى لإحاطة صاحبة “صالة أليس مغبغب” أهمية كبرى بما تعنيه من “معضلة” انفجار أغسطس. فقد افتتحت جلسة نقاش كبيرة بعد عرض الفيلم ليتم تبادل الأفكار والتأكيد على الحاجة الملحة إلى تغيير منطق التفكير الذي يحول دون الاقتصاص من القاتل.

وإلى اليوم تستمر أخبار الجرحى من كل بيروت الذين ينطفئون على فراش المستشفيات الواحد بعد الآخر مع مرور سنتين على محاولة إنقاذهم، وأيضا على محاولتهم التعلق بحبال الحياة. يبقى القول إن هذا ما هو بحد ذاته “القصة الكاملة لانفجار بيروت”.