أيّ دلالات للانفتاح “الطارئ” بين جنبلاط و”حزب الله”؟

ابراهيم بيرم – النهار

سواء أُنجِز اللقاء الموعود بين رئيس الحزب التقدمي الاشتراكي #وليد جنبلاط وبين قيادة “#حزب الله” ممثلة بمسؤولَي ملف الاتصالات العليا المعاون السياسي للامين العام للحزب حسين الخليل والمسؤول عن وحدة الارتباط والتنسيق في الحزب وفيق صفا، أم ارجئ أم تعطل، فثمة استنتاج من شقّين:




الاول ان زعيم المختارة نجح من خلال حركته تلك تجاه حارة حريك في ارسال رسالة سياسية أوسع من المعتاد وتؤسس لمرحلة مختلفة حبلى بالوعود.

والثاني ان الحزب تلقّف هذا التطور المفاجىء سريعا فبادر الى الرد على تحية جنبلاط بأحسن منها إذ فتح ابوابه امامه ضارباً عرض الحائط مرحلة لم تكن قصيرة من القطيعة المتّشحة بالعداوة والتوتر، كان من ابرز محطاتها عودة الزعيم الاشتراكي الى لغة جافة تعادل بقسوتها خطابه ابان المرحلة التي تلت اغتيال الرئيس رفيق الحريري وتولّيه النطق بلسان مشروع 14 آذار.

وعليه، فان نبأ وصول موفد جنبلاط الى مقر صفا في اطراف الضاحية الجنوبية (حارة حريك) مبلغاً الى مضيفه بلسان فصيح رسالة أكثر بلاغة إنْ في طوايا مضمونها أو في توقيتها، ستبقى الاكثر دوياً حتى وان لم يتم اللقاء.

في الدوائر الضيقة في “حزب الله” يجري تداول كلام عن ان في قيادة الحزب المعنية مَن استشرف قبل هذا التطور ان جنبلاط لن يترك تطورا بحجم الكلام المتعالي عن تقدم نوعي في مسار الحوار المفتوح منذ اشهر بين طهران والرياض بلغ حدّ الاعلان عن لقاء وشيك على مستوى وزيري الخارجية في البلدين ستعقبه حتما عودة التمثيل الديبلوماسي بينهما، يمر من دون تجيير أو توظيف، وهو الذي أتقن لعبة قراءة ما بين السطور واستشراف آفاق التطورات والمستجدات والتحولات، لذا كان لا بد من ان يُقدِم ويجرؤ.

طبعا لم يغادر جنبلاط ، في رأي تلك الدوائر، مربّعه العدائي للحزب من اجل هذه الغاية حصراً، بل ان عند رجل بمقام جنبلاط وحساسية وضعه في المعادلات ما يتعدى مثل هذا الهدف على بلاغته، مع الاقرار بان هذا الحدث هو قاعدة الارتكاز والسند الذي يدفع بسيد المختارة الى تجشّم عناء هذه الخطوة التي تمثل فاتحة عهد سياسي جديد.

وعليه، تعلم الجهات عينها في قيادة الحزب ان جنبلاط ما طرق الابواب على هذا النحو إلا لغاية اكبر وحسابات أعرض يريد بلوغها ويعرف ان هذه سانحتها وفرصتها.

لذا لا تخفي الجهات اياها ان جنبلاط المستند الى ارتياح سياسي كبير تحقق له اخيرا بفعل نتائج الانتخابات الاخيرة التي جنّبته هاجس الخشية التي أبداها من سعي لتحجيمه في شارعه وطائفته، اذ نجح كما صار معلوما في الحفاظ على حصته معززة بقضم غير مباشر لحصص منافسه، وهو المرتاح ايضا لطبيعة المعادلة التي ارستها تلك الانتخابات في المجلس الجديد حيث غابت الاكثريات التي تتحكم وتطغى، خصوصا عند المحور الذي ينزله منزلة الاعداء وهو محور الممانعة، وحيث استطرادا الخريطة الفسيفسائية للمجلس الحالي ما عادت تسمح بفرض قواعد لعبة جديدة على نحو مختلف عما سلف، إذ استشعر جنبلاط حينذاك مرارة الهزيمة ربما للمرة الاولى بعد الطائف.

وفي الحصيلة فان جنبلاط ساعٍ الى تموضع جديد يعي تماما ان له شروطه ومقدماته، لعل ابرزها سياسة “الانفتاح” على قوة وازنة بحجم الحزب وبحجم مكانته ودوره.

من البديهي ان ثمة نقاشا دار في داخل الاوساط المعنية في الحزب تركز حول “طبيعة” المكان الساعي جنبلاط الى التموضع فيه، وتحديدا ما المراد من هذه الانعطافة الجنبلاطية؟
وكانت عصارة النقاش ان جنبلاط يعبّر صراحة لمن يعنيهم الامر انه بات يضيق بالدور المتواضع الذي “قسم” له بُعيد انتخابات عام 2018. والواضح لدى الدوائر عينها ان زعيم الاشتراكي لا يسعى الى ان يكرر دور رأس الحربة لمشروع كبير كان له فيه صولات وجولات وهو مشروع 14 آذار في ذروة صعوده وتألقه، فهو دور تنكّبه وخرج منه مثخناً بالاعباء. لذا فالاستنتاج ان جنبلاط انما هو عازم على العودة الى تموضع “بيضة القبان” وهو التموضع الذي اعتمده عقب انتخابات 2009 اي بعد أحداث أيار عام 2008.

فهذا التموضع وفّر له شبكة امان من جهة ودورا مؤثرا من جهة اخرى حيث لم يكن بإمكان احد تجاهله أو تهميشه.

ولا ريب في ان جنبلاط قد حسب كل الحسابات والشروط المتصلة بهذا الهدف فوجدها حاضرة، خصوصا ان حليفه الثابت الرئيس نبيه بري ابلغ اليه اخيرا وبلسان صريح انه مازال واياه على العهد ولم يبدل تبديلا، واذا ما فتح الحزب ابوابه فان ذلك يكون تمام الامر والمراد.
ولا شك في ان جنبلاط يعرف ان الحزب ينتظر دوما عودته في اي لحظة وانه اذكى من ان يوصد الابواب في وجهه لان له في اعادة وصل ما انقطع مع جنبلاط مآرب شتى ومصالح عدة، فضلا عن انه يعرف (الحزب) اثمان العداوة مع هذا المحور وقيمة المصالحة وفوائد المهادنة.

ولأن جنبلاط يعي تماما ان ثقة الحزب وجمهوره بثباته على مواقفه ومصالحاته هي مهتزة بناء على تجارب سالفة، فان جنبلاط قارب ابواب الحزب ولكن ليس صفر اليدين اذ كان يحمل معه ثلاث “هدايا” يعرف صداها ودويّها عند قاعدة الحزب، ويعرف ايضا انها تساهم في تنقية النفوس وخفض منسوب النقمة عندها، وهي على التوالي:

– الموقف غير السلبي من مسيّرات الحزب فوق الحقول المتنازع عليها، والذي اطلقه من على باب صرح عين التينة.

– الموقف المميز من قضية المطران موسى الحاج وانتقاده طريقة المعالجة.

– سجاله مع حزب “القوات ال#لبنانية” والذي انطوى على امر اساسي هو انه لن يسير معه في موضوع الرئاسة الاولى.

ماذا سيعطي الحزب في مقابل هذه الهدايا العزيزة على قلبه؟

الجواب المختصر الذي يُسمع من المقربين من الحزب: “نحن اصحاب الوعد الصادق ولا نردّ على التحية إلا بمثلها أو بأحسن منها، والمهم ان يأتي”.