الاتفاق على ترسيم الحدود البحرية يقترب من لمساته الأخيرة.. كواليس زيارة هوكشتاين لبيروت

تسود أجواء إيجابية عقب زيارة المبعوث الأمريكي لشؤون أمن الطاقة، آموس هوكشتاين، للعاصمة اللبنانية بيروت ولقائه هذه المرة الرؤساء الثلاثة (ميشال عون ونجيب ميقاتي ونبيه بري) مجتمعين، في قصر بعبدا الرئاسي.

وقد انتهى اللقاء حسب مصادر مقربة من الملف، بقرب التوصل لاتفاق بين الطرفين، اللبناني والإسرائيلي، لترسيم الحدود البحرية بين البلدين.




شروط واتفاق منتظر

وتؤكد مصادر من رئاسة الجمهورية لـ”عربي بوست”، أن الطرف اللبناني كان موقفه موحداً وفق ثلاثة مسارات يتمسك بها لبنان ولن يتنازل عنها بشكل قطعي، وهي: الاحتفاظ بالخطّ 23 كاملاً، إضافة إلى حقل قانا.

وأضافت مصادر ذاتها أن المسار الثاني الذي تمسك به الطرف اللبناني هو عدم التنازل عن أيّ مساحة من المساحات البحرية والبلوكات اللبنانية، وعدم التجاوب مع أيّ فكرة تتعلّق بتبادل الحقول أو المساحات.

أما الشرط الثالث للطرف اللبناني فيكمن في عدم الموافقة على التنقيب المشترك من قبل أيّ شركة دولية، وعدم دفع مبالغ ماليّة للإسرائيليين لقاء تنازلهم عن حقل قانا، ليس لأي طرف آخَر الحق فيه.

وتشير مصادر رئاسة الجمهورية إلى أن الملف رغم تقدمه فإنه يحتاج لمعالجة مزيد من النقاط العالقة، وهذا ما سيبحثه هوكشتاين مع المسؤولين الإسرائيليين في الأيام المقبلة، ليعود بالجواب الشافي إلى لبنان مطلع الأسبوع المقبل كحد أقصى.

هوكشتاين في إسرائيل

وانتقل آموس هوكشتاين إلى إسرائيل ظهر الثلاثاء 2 أغسطس/آب 2022، عبر الحدود البرية بين لبنان وإسرائيل؛ للاجتماع برئيس الحكومة ووزير الدفاع الإسرائيليين.

وتشير مصادر مقربة من رئاسة البرلمان لـ”عربي بوست”، إلى أن بري كان واضحاً مع المبعوث الأمريكي حول أنه يجب انتظار الردّ الإسرائيلي على المقترح اللبناني للإعلان عن تقدم التفاوض وقرب الاتفاق.

وطلب بري، حسب المصادر نفسها، من هوكشتاين موافقة خطية من الإسرائيليين على الشروط اللبنانية، فردَّ المبعوث بالقول إنه سيبحث الأمر مع الحكومة الإسرائيلية المصغرة، وسيعمل بالتوافق بين الطرفين على إعداد مسودة؛ ليُطلع عليها الطرفين لإبداء الموافقة قبل عودته إلى لبنان.

ومن المنتظر أن يتمّ تحديد مواعيد لجلسة تفاوض غير مباشرة في منطقة الناقورة الحدودية، لإنهاء كلّ الترتيبات والتوقيع على محضر الاتفاق، وفي حال حصل ذلك، يتمّ التوقيع على مرسوم من الجانب اللبناني بتعديل المرسوم 6433 وتضمين التعديل المساحة الجديدة التي حصّلها لبنان.

وتؤكد مصادر الرئاسة أن المسؤولين في بيروت يتوقعون أن الأمر قد يحتاج إلى لقاءين أو أكثر توضع فيهما اللمسات الأخيرة على هذا الاتفاق، وذلك بالتزامن مع اتفاق بين الرؤساء حول عدم تسريب أي معلومات عن مضمون ما يجري أو مضمون المقترحات وتفاصيلها.

كذلك يؤكد مصدر حكومي لـ”عربي بوست” أن واشنطن لا تريد وقوع أي حرب أو توتر أو نزاع، وهناك رغبة ثابتة لدى الإسرائيليين في عدم الذهاب إلى أي معركة تؤدي إلى توتير الأجواء في البحر المتوسط، لأن أي اشتباك أو حرب تعطل عمل الشركات التي تستخرج الغاز الإسرائيلي وتعطل مسار نقل الغاز إلى أوروبا.

ويؤكد المصدر نفسه أن الرؤساء الثلاثة وكل المسؤولين الذين التقاهم المبعوث الأمريكي بُلغوا موقفاً واضحاً: رفض واشنطن أي مسار يؤدي إلى الحرب ورفضها مبدأ التصعيد، للوصول في مهمته لخواتيم سعيدة للطرفين.

 كل الاحتمالات واردة

في هذا الإطار يقول المحلل السياسي منير الربيع إن الرهان الأمريكي ينطلق من حاجة لبنان لتوقيع الاتفاق، وحاجة رئيس الجمهورية ميشال عون لتحقيق آخر إنجاز في عهده، إضافة إلى وجود ضغط دولي للوصول إلى الاتفاق قريباً.

وأضاف المتحدث في تصريح لـ”عربي بوست”، أن هوكشتاين كان واضحاً في رفض ممارسات حزب الله، لكن أداء الحزب ونشاطه هما اللذان دفعا الأمريكيين إلى تكثيف حركتهم والضغط على الإسرائيليين.

وبحسب الربيع فإنه لا بد من انتظار الجواب الإسرائيلي الذي يحمله هوكشتاين، وفي حال طالت المفاوضات بلا اتفاق، فلا أحد يضمن الأمن والاستقرار في البحر الأبيض المتوسط، وهذه المعادلة تحرج الأمريكيين والإسرائيليين معاً، لأن أي تنازل أو اتفاق وفق الشروط اللبنانية يعني منح حزب الله انتصاراً مدوياً.

لذا ووفقاً للمحلل اللبناني، فإن الكرة باتت في الملعب الإسرائيلي، ولدى إسرائيل حاجة ماسة لاستخراج الغاز وتصديره، وهي تعاني من أزمة سياسية عميقة، ولا يمكنها التفريط في أي تنازل يمنح حزب الله انتصاراً.

وأشار المتحدث إلى أن لبنان أعطى مهلة أسبوعين لهوكشتاين لمعرفة الجواب الإسرائيلي، وإسرائيل الآن أمام احتمالين: إما تكرار ما يشبه انسحابها من جنوب لبنان في عام 2000، وإما فشل المفاوضات في ربع الساعة الأخير، كما حصل مع سوريا، والاحتمالان واردان.

أزمة أوروبا تحل في كاريش وقانا

في هذا الإطار يقول المحلل السياسي جورج شاهين، إن المعلومات التي سبقت زيارة هوكشتاين حول لقاءاته في بروكسل وباريس وأثينا، دفعته إلى الإسراع لفِعل ما يمكن القيام به بما يؤدي إلى سد النقص الأوروبي والدولي للطاقة.

وبحسب شاهين فقد فرضت المعطيات الجديدة على هوكشتاين تأكيد مبدأين: الأول هو أهمية الاقتناع بأنه “وسيط مساعد ومسهِّل” كما تعهدت بلاده في “اتفاق الإطار”، وأنه يسعى إلى التخفيف من الفجوة بين النظريتين اللبنانية والإسرائيلية.

 الحزب مع الاتفاق وجاهز للحرب

في إطار متصل يعتقد الصحفي عماد مرمل -مقرب من حزب الله- أن هوكشتاين سيجد نفسه خلال هذا الشهر أمام فرصة أخيرة لابتكار اتفاق مريح ومربح للجميع، علماً أنّ المنحى الذي ستتخذه الأمور سيتضح على الأرجح في الأسبوعين المقبلين، إما انفراجاً وإما انفجاراً.

ووفق مرمل فحزب الله لا يُناور عندما يهدد باستخدام القوة لمنع إسرائيل من استخراج الغاز إذا لم يُعطَ لبنان حقوقه في الحدود والحقول وفق معايير الدولة، ومع أنه يتحسّب لأسوأ الاحتمالات ويستعد للحرب كأنها واقعة غداً.

وأضاف المتحدث أن الطرفين الأمريكي والإسرائيلي لا يستسهلان الذهاب إلى مواجهة عسكرية قد تحرق الأخضر واليابس والنفط والغاز في المنطقة، وعندها ستكون خسارتهما الاستراتيجية أكبر بكثير من خسارة لبنان المنهار أصلاً.

ولذلك، يحاول الحزب، بحسب مرمل، أن يستنفد آخر سنتيمتر من حافة الهاوية التي يتحرك عليها؛ لزيادة الضغط على الكيان الإسرائيلي والولايات المتحدة، مازجاً في حساباته بين جدية الإنذارات الموجهة إليهما والجهوزية لتنفيذها إذا اقتضى الأمر، ومعرفته بأنه ليست لديهما أي مصلحة حالياً في خوض معركة عسكرية فوق الآبار البترولية.