ملك التدمير الذاتي… ووليّ عهده

سركيس نعوم – النهار

يحاول رئيس الجمهورية العماد #ميشال عون بكل قوّته أن يحقّق إنجازاً في الأشهر القليلة جداً الأخيرة من ولايته كي لا يقول عنه التاريخ، رغم أن في لبنان “تواريخ” متناقضة لا تنطلق من الحقيقة والواقع والأحداث والحروب والمصالحات، أن عهده كان الأسوأ في “تاريخ” لبنان، لا من حيث انعدام الإنجازات فقط بل من حيث انعدام المبادرات أيضاً، الأمر الذي قضى على اتفاق الطائف ومعه الصيغة والنظام والاستقرار الاجتماعي والمالي والنقدي والمصرفي والسياسي والاقتصادي، ووضع اللبنانيين في مواجهة محنتين صعبتين هما الفوضى الأهلية أو الحرب الأهلية ثم الحرب مع إسرائيل. لكن محاولته هذه ستبوء بالفشل، أولاً لأن الشعب اللبناني الواحد وهو كذلك في رأي “الموقف هذا النهار” والمنقسم عملياً شعوباً تعمّق انقسامه بحيث بات مستقبله تقسيماً انتحارياً أو فيديرالية تشبه الانتحار أو صيغة ونظاماً وعقداً اجتماعياً صورة عن الماضي غير المعترف به رغم حقيقته يعكسان تنامي قوة أحد شعوبه ديموغرافياً وعسكرياً وتالياً سيطرته على السلطة منفرداً مثلما كانت الحال منذ إقامة لبنان الكبير ثم تحوّله دولة مستقلة عام 1943.




طبعاً لن يعترف الرئيس اللبناني عون بمسؤولية له كبيرة مع حلفائه في الداخل وأخصامه والأعداء عن قيادته لبنان الى “جهنم” بسابق إصرار وتصميم بحجة استعادة الرئيس المسيحي القوي. لكنه يحمّل الآخرين مسؤولية فشله المدوّي ومنهم حلفاء له وأصحاب فضل عليه لإيصالهم إيّاه الى سدة الرئاسة، ومنهم جموحه وعناده وسيطرته الأنانية وعشق السلطة والرغبة في توريثها لولي عهده المن غير صلبه #جبران باسيل الذي يشبهه في معظم صفاته. وكان ذلك العامل الأبرز الذي قرّبه إليه. كما يحمّلها أي المسؤولية لأخصامه وأعدائه المسيحيين أولاً وأهمهم “حزب القوات اللبنانية”، وخصمه الشيعي اللدود نبيه بري رئيس مجلس النواب و”حركة أمل” وأحد قطبي “الثنائية الشيعية” مع “حزب الله”، وخصمه منذ سنوات الزعيم السني الأول في البلاد سعد الحريري رغم الضعف الذي أصابه من جرّاء إخفاقاته السياسية في الداخل ومع أشقاء عرب كانوا أولياء نعمة عائلته وسبب نجاح مؤسّس دورها السياسي الشهيد رفيق الحريري في التحول رقماً صعباً في لبنان وسوريا “الحاكمته” والعالم العربي والعالم. ربما يجد البعض للرئيس عون أسباباً تخفيفية بالقول “ما خلّوني” وهي العبارة التي استعملها لتبرير فشله المدوّي في السطلة والحكم، علماً بأنها تتضمّن بعض الصحة. لكنها لا تعفيه من المسؤولية الأولى، أولاً لاقتناعه بأن تحالف الضعيف وطنياً ولا سيما بعدما فقد “التيار الوطني الحر” الواسع الشعبية مسيحياً الذي أسّسه منذ نفيه عام 1991 الى فرنسا قسماً كبيراً من هذه الشعبية. علماً بأنه أفقده أي “التيار” وحدته الداخلية بإخراج وريثه باسيل وبموافقته رفاقه في النضال منه وأفقده استقلاليته ودفعه الى التعاون مع حليف لم يكن هناك شيء مشترك بينهما يوم قيام التحالف اللهم إلا أمران. الأول شهوة السلطة عند عون ورغبته في التربّع على سدة الرئاسة الأولى في البلاد. والثاني رغبة حليفه المستجد وهو “حزب الله” الأول عند الشيعة عسكرياً ونيابياً ونفوذاً في حليف مسيحي قوي داخل شعبه وضعيف في الوجدان الإسلامي المثلث يستطيع بواسطته إشباع رغباته السلطوية والرغبات الأخرى لوريثه في رئاسة “تياره” ويستخدم ذلك لتحقيق برنامجه الطموح جداً داخلياً وإقليمياً بالاستناد الى قضية فلسطين والجمهورية الإسلامية الإيرانية.

في أي حال وصل عون الى المرحلة التي تسمّى نهاية ملك أو نهاية عهد. لكن السؤال الذي يدور في رؤوس اللبنانيين هو: هل حقق هذا الرئيس مصالح البلاد أم أسهم في إيصالها الى “جهنم” بحسب كلام تلفزيوني سابق له، وأوصل لبنان الى نهاية نظام “الطائف” كما أيّد نهاية صيغة الـ1943 والميثاق الوطني غير المكتوب في حينه والى وضع البلاد أمام صيغ عدة محتملة لا تؤمّن نظاماً مدنياً علمانياً لاطائفياً تتوحّد بواسطته شعوبه ويعاملها انطلاقاً ممّا تقدّمه الى الوطن والدولة لا الى الخارج المتنوّع وعلى حسابها؟ هذه الحال دفعت كثيرين الى وصف الرئيس عون بالمدمّر الذاتي لعهده ولشعبيته الكبيرة السابقة كما للوطن. دفعتهم أيضاً الى التحسّر على التأييد الخارجي الذي سهّل ترئيسه لبنان أولاً من دول عربية عدة، وثانياً من دول أوروبية في مقدمها فرنسا كما من دول غربية أخرى. لكنه خلال ست سنوات هي مدة ولايته خسر غالبية السنّة وأكثر من ستين في المئة من المسيحيين والرئيس نبيه بري و”شيعته” ووليد جنبلاط الزعيم الدرزي الأبرز، كما أن وريثه باسيل تعرّض لعقوبات أميركية لم يستطع رفعها حتى الآن. وصارت الدول العربية معارضة له مئة في المئة. حتى سوريا بشار الأسد التي باركت ترئيسه وربما أسهمت فيه قليلاً أو كثيراً لم تعد معه. أما اللبنانيون الذين أحبّوه و”انتظموا” معه فصاروا ثلاثة أطراف داخل تياره وهم ينسقون مع القوى التي تعارضه ووريثه. أما السؤال الذي يردّده اللبنانيون فهو من منع عون من الإنجاز؟ ألم يوافق عون على الولاية الخامسة لحاكم مصرف لبنان رياض سلامة بعد زيارته له في قصر بعبدا في وقت كان مجلس الوزراء مجتمعاً ومعبّأً لإقالته بدعوى فساده وتعيين بديل منه؟ ما الذي جعله أي عون يغيّر رأيه في سرعة ويفاجأ مجلس الوزراء بتزكية التجديد له مرة خامسة.

في اختصار، كان عون ملكاً غير متوّج يوم انتُخب ولا سيما بعدما لعبت المصالح والأطماع السياسية والأحقاد دوراً مهماً في ترشيح “حزب الله” له ورئيس “المستقبل” سعد الحريري ورغبة “القوات” ورئيسها سمير جعجع وآخرين. لكنه فقد “التاج” مع الوقت وفقد الغالبية المسيحية التي قال دائماً إنها معه، وأخفق في دفع بري وشيعته وجنبلاط الى التلاقي معه. ربما يكون افتقاره الى الحكمة والخبرة السياسية والبصيرة هو ما دفعه الى عدم إقامة توازن دقيق وعادل بين حكومات لبنان أو ربما يكون تساهله مع “الوريث الشرعي” له هو الذي خسّر لبنان نحو 40 مليار دولار والكهرباء معها. وهو يرفض الاعتراض بذلك. لكن يقول مصدر مطلع إن عضواً في وفد نقابي زار عون قبل مدة قصيرة جداً سمع منه تأكيداً أن من سيخلفه في الرئاسة سيكون قوياً مثله. إن كان الكلام المنقول صحيحاً فالله يستر لبنان وإن لا وذلك ممكن يكون اللبنانيون لم يتعلموا شيئاً على تناقضهم.