نصرالله… “بروباغندا” مستمرة

عبد الوهاب بدرخان – النهار

لماذا يصرّ الأمين العام لـ”حزب إيران/ #حزب الله” على إشاعة مناخ حرب مع إسرائيل، ولماذا يحدّد لها مهلة زمنية بحلول أيلول، ولماذا لم يجارِه في هذه التهديدات أي مسؤول لبناني سياسي أو عسكري (بالأحرى رئيس الجمهورية) معنيّ بملف ترسيم الحدود البحرية؟ أكثر من جواب: لأن حسن #نصرالله يعرف ما يعرفه مسؤولو “الدولة” وهو أن أجواء عملية الترسيم “إيجابية” عموماً من مصدرَيها الأميركي والإسرائيلي منذ ما قبل إطلاق المسيّرات فوق حقل كاريش. ولأن نصرالله يستخدم “البروباغندا” للإيحاء بأن الترسيم سيتمّ بفعل ضغوطه العسكرية على إسرائيل لا نتيجة التفاوض. ولأن نصرالله، بصفته الوكيل الإيراني في لبنان، التقط فرصةً لإبلاغ من يلزم بأن لإيران كلمتها في ما يجري، ولاستعراض الأسلحة الإيرانية التي بات يملكها برّاً وجوّاً وبحراً، وبالتالي لإعلان جهوزية “الحزب” لحربٍ لن تقتصر على جانبي الحدود، بل إنها قد تمتدّ لـ”إشعال المنطقة”، الشعار المحبّب لإيران.




بدلاً من دعم التفاوض يندفع نصرالله الى استفزاز الأميركيين والإسرائيليين، وهو يعلم أنهم براغماتيون هدفهم الراهن استخراج النفط والغاز لا الذهاب الى حرب لا يرون لها مبرّراً ما دام الاقتراح الأخير الذي قدّمه لبنان ينطوي على تنازل مقبول من جانبهم، وإذا بقيت هناك إشكالات بسبب تداخل المياه وما تحتها فإنها تُعالَج بالمخارج القانونية (متى تعذّر “التوافق”)، كما هي الحال بين عشرات الدول المتجاورة حتى مع وجود عداوات في ما بينها. لا بدّ أن الأميركيين والاسرائيليين يأخذون تهديدات إيران في حسبانهم، لكنها ليست عاملاً حاسماً يجبرهم على إسقاط هدفهم الرئيسي، أي إنهم لن يسمحوا لإيران وميليشياتها بتعطيل أي من مشاريع الطاقة في المتوسط. لذلك بات الترسيم اللبناني – الاسرائيلي أمراً تبتّه “الدولة”، ومن شأنها أن تقرّر إذا كان مصلحة لبنانية أو ورقة مجيّرة لإيران كي تساوم بها وعليها لتفرض نفسها على معادلات الطاقة المتوسطية.

السؤال الذي يفرض نفسه: من المسؤول عن ملف ترسيم الحدود؟ لبنان أم إيران، “الدولة” أم “الدويلة”، ميشال عون أم حسن نصرالله؟ لم يعد الأمر واضحاً بالنسبة الى اللبنانيين، إذ إنهم لم يسمعوا أي مسؤول في “الدولة” يطالب بـ”السماح” للشركات الأجنبية باستخراج النفط والغاز من الحقول اللبنانية، كجزء لا يتجزّأ من التفاوض على الترسيم، بل سمعوا نصرالله يطالب بذلك، وهو محقّ بالتأكيد، لكن طرح هذا الطلب المشروع في سياق الحديث عن الحرب لا بدّ أن يثير الشكوك في مرامي صاحبه. فتلك الشركات ممتنعة ذاتياً – قبل أن تكون “ممنوعة” – عن التنقيب لمصلحة لبنان، لأن الأزمة الشاملة جعلت ظروف العمل في المياه اللبنانية غير مؤاتية، ولا شك في أن تهديدات إيران (عبر نصرالله) لا تُحسّن تلك الظروف. وفي كل الأحوال تجب مصارحة اللبنانيين بأن سنوات عدّة ستمرّ قبل الوصول الى مرحلة “استخراج” النفط والغاز، هذا إذا بدأت الشركات العمل اليوم.

لو لم يكن ملف الترسيم ورقة تحتجزها إيران لكان أُنجز منذ أعوام، خصوصاً أن “الخط 23” مطروح منذ أكثر من عقد. وأياً يكن المفاوض اللبناني “الممانع” فإنه جازف بحرمان البلد من ثروته، وهو يغامر بها الآن من أجل مآرب دولة تراكم الصواريخ والمسيّرات في لبنان ولا تأتي إليه أو الى شعبه بأيّ خير.