العراق يمنح اللبنانيين “استثناء” عالميا فريدا.. ويثير جدلا “مذهبيا”

أثار اتفاق بين السلطات اللبنانية والعراقية بلبلة كبيرة لدى الرأي العام اللبناني وكان له مردود على مواقع التواصل الاجتماعي.

ويسمح الاتفاق بين البلدين بتجديد “يدوي” لجوازات السفر منتهية الصلاحية للبنانيين الراغبين بزيارة الأماكن المقدسة والسياحة الدينية في العراق، الذي سيوافق بدوره على إدخال اللبنانيين عبرها بشكل استثنائي ومخالف للإجراءات المعتمدة من قبل المنظمة الدولية للطيران المدني.




ويأتي ذلك فيما يعيش اللبنانيون معاناة في حصولهم على جواز السفر، بعد أن توقفت المديرية العامة للأمن العام في لبنان عن تلقي طلبات الاستحصال عليه، بعدما شارف مخزون جوازات السفر البيوميترية على النفاذ، نتيجة عجز السلطات اللبنانية عن تمويل طبع واستيراد كميات جديدة منها تلبي الطلب المرتفع عليها في البلاد.

وعلى تويتر، انتقدت هذه الناشطة حدوث هذه الخطوة في وقت يحتاج فيه لبنانيون إلى جوازات سفر للحصول على فرص عمل في الخارج:

وكانت المديرية العامة للأمن العام اللبناني قد أعلنت، في بيان لها، أنه بنتيجة المباحثات التي أجراها مدير عام الأمن العام، اللواء عباس إبراهيم، أثناء زيارته الأخيرة إلى جمهورية العراق، تم التوافق على السماح للرعايا اللبنانيين من زوار الأماكن المقدسة حصرا، بدخول الأراضي العراقية سندا لجوازات سفر مجددة.

وبحسب تفاصيل نقلتها وكالة “المركزية” للأنباء عن مصدر مسؤول في الأمن العام اللبناني، فقد حصل اللواء عباس إبراهيم على موافقة استثنائية من رئيس الحكومة العراقية، مصطفى الكاظمي، لإدخال لبنانيين إلى العراق بجوازات سفر مجددة يدويا تستخدم فقط لمرة واحدة، من أجل زيارة الأماكن المقدسة في العراق، مشيرا إلى عدم امكانية استخدامها للسفر إلى بلدان أخرى.

“تمييز” و”تفضيل”

وكان الأمن العام اللبناني، مع بدء أزمة جوازات السفر التي يعانيها لبنان منذ سنتين تقريبا، قد أجرى، وفق المصدر، اتصالات مع المنظمة الدولية للطيران المدني ICAO، كون لبنان عضو فيها، من أجل البحث في إمكانية تجديد الجوزات التي انتهت مدتها يدويا، ولكن هذه المنظمة لم توافق باعتبار أن الأمر يتعارض مع القواعد الدولية وقواعد تنظيم جوازات السفر البيومترية وانتقال الاشخاص بين الدول.

الإجراء الذي وفر على الأمن العام استعمال جوازات سفر جديدة، ليتمكن من منحها إلى اللبنانيين مقدمي الطلبات، بحسب المصدر، أثار موجة اعتراض كبيرة لدى الرأي العام اللبناني، لاسيما وأن معظم الزيارات الدينية إلى العراق يقوم بها اللبنانيون الشيعة، وهي شبه منحصرة بهم، ما أعطى القضية بعدا طائفيا ومذهبيا في البلاد التي تشهد انقسامات حادة بين مكوناتها الطائفية والسياسية.

واعتبر البعض أن في القرار “تمييزا” بين المواطنين اللبنانيين، و”تفضيلا” لفئة على حساب البقية، لاسيما وأن مئات اللبنانيين عانوا من خسارة فرص عمل ودراسة وسفر خارج البلاد، في الفترة الماضية، بسبب عدم تمكنهم من الحصول على جوازات سفر جديدة، وهو ما طرح جدل حول الأولويات والاعتبارات التي تحكم جهود السلطات اللبنانية.

توسيع الاتفاق

وسرعان ما امتد الاتفاق ليشمل فئة أوسع من اللبنانيين الراغبين بزيارة العراق، حيث أصدر الأمن العام اللبناني بيانا لاحقا أعلن فيه أن العراق وافق رسميا على توسيع مروحة الاستفادة من الإجراء المتبع مع زوار الأماكن المقدسة، ليشمل “كل لبناني يرغب بزيارة العراق حسب الأصول وبجواز سفر مجدد بختم خاص لهذه الغاية”.

وشرح البيان أن هذا الإجراء جاء “بعد أن تلقت المديرية اتصالات من مواطنين لبنانيين يرغبون بزيارة العراق لأسباب مختلفة ومنها التجارة والعمل، ومتمنين على الأمن العام أن يشملهم قرار الحكومة العراقية بالسماح لهم بالدخول إلى أراضيها بجواز سفر لبناني مجدد يدويا، وبختم خاص كي لا يخسروا عملهم وأعمالهم لحين تمكنهم من الحصول لاحقا على جواز سفر بيومتري جديد”.

وبناء على ذلك، استؤنفت الاتصالات مع المسؤولين في العراق، وتمت الموافقة الرسمية على أن يشمل الإجراء اللبنانيين كافة، وفق البيان الذي أكدت فيه مديرية الأمن العام للرأي العام اللبناني “كي لا تختلط عليه الأمور”، أن هناك من قام “بتشويه وحرفه إلى مسارات مذهبية مقيتة كالعادة”، في حين “أن هذه الجوازات، هي صالحة لحاملها الذي يرغب بالسفر فقط إلى العراق لتسهيل أعماله من جهة أولى، ومن جهة ثانية توفيرا للمخزون المتبقي لدى المديرية من نماذج جوازات السفر البيومترية لمنحها للبنانيين الذين هم بأمس الحاجة اليها وفقا للمعايير المعلن عنها سابقا”.

شروط التجديد

وذّكر الأمن العام اللبناني، في بيانه بالشروط المطلوبة من أجل إتمام عملية التجديد اليدوي هي:

  • أن يكون لديهم جواز سفر من نموذج “2003” أو جواز سفر بيومتري، ولا يشوبه أي تشويه مادي، على أن يظهر الرسم الشمسي على الجواز عدم تبدّل في ملامح صاحب العلاقة.
  • أن يبرز صاحب العلاقة بطاقة هوية مع صورة عنها، أو بيان قيد إفرادي لا يعود تاريخ صدوره لأكثر من ثلاث سنوات، مع صورة عنه.
  • أن يتقدم صاحب العلاقة شخصيا إلى أحد مراكز الأمن العام الإقليمية وضمن الدوام الرسمي، وذلك اعتبارا من صباح يوم الأربعاء 27 يوليو 2022.

وأزال الأمن العام الشرط المتعلق بأن “تكون الزيارة حصرا لزيارة الأماكن المقدسة”.

ومع ذلك، استمرت الاعتراضات واتهامات التمييز والتخصيص لناحية تركيز الجهود لخدمة المسافرين إلى العراق دون غيره من الدول.

وفي مداخلة متلفزة معه، أوضح مدير عام الأمن العام اللبناني، اللواء عباس إبراهيم، أن المنظمة الدولية للطيران تمنع تجديد جوازات السفر الممددة، مشيراً إلى أن أي دولة يتوجه إليها المواطن بهذا الجواز المخصص لزيارة العراق، سيعود من حيث أتى”.

ولفت إبراهيم إلى أن العراق هو من وافق على دخول المواطنين اللبنانيين المجددة جوازات سفرهم، مبديا استعداد الأمن العام لتطبيق هذا الاستثناء مع أي دولة توافق على دخول أصحاب جوازات السفر الممددة، موجها الشكر لدولة العراق “على هذا التجاوب”.

وأضاف: “راجعت العديد من ردود الفعل على مواقع التواصل الاجتماعي، ولم أشأ أن أرد لأن الجاهل هو جاهل مهما تم التوضيح له، إلا إذا كان لديه أجندات معينة، الأمن العام بعيد عنها”.

وكان لإبراهيم تصريح سابق أعلن فيه أن أزمة جوازات السفر “ستحل تدريجيا بدءا من شهر أكتوبر وستكون بداية حل الأزمة النهائية على أبواب العام المقبل.”

وأضاف: “الناس يجب أن تعلم اننا لسنا من يفتح الاعتمادات وإلا لما وصلنا إلى الأزمة القائمة والمنصة كانت لتسهيل أمور الناس”.

وسبق للأمن العام اللبناني أن أعلن وقف العمل بمنصة تسجيل مواعيد الحصول على جوازات السفر، أواخر شهر أبريل الماضي، بعدما تخلفت الدولة اللبنانية عن إيفاء الشركة المتعاقدة معها قيمة العقد الموقع لطباعة وتأمين جوازات السفر، ما أدى إلى تأجيل تسليم الكمية المطلوبة إلى الأمن العام، في وقت كانت الكمية المتوفرة من جوازات السفر آخذة بالنفاذ.

وشهدت دوائر الأمن العام اللبناني، المولج منح جوازات السفر في لبنان، ضغطا كبيرا على طلبات جوازات السفر، اعتبارا من عام 2020، فاقت عشرات أضعاف الأعوام السابقة، ما أثر على مخزون جوازات السفر لديها.

ودفع الإقبال الكثيف بالأمن العام اللبناني، طيلة العام الماضي، إلى اتخاذ إجراءات للحد من الازدحام اليومي، عبر وضع شروط محددة للحصول على جوازات السفر المستعجلة، وتحديد العدد اليومي من الأفراد المجاز لهم تقديم طلبات الحصول على جوازات السفر، إضافة إلى اعتماد نظام المواعيد المحددة مسبقا لتقديم الطلبات والتي وصل مداها إلى أكثر من ثلاثة أشهر.

وأثارت تلك الإجراءات مخاوف كثير من اللبنانيين الذين لا يملكون جوازات سفر، أو يحملون جوازات ذات مدة صلاحية منتهية أو يقترب موعد انتهائها، وذلك لما يمثله ذلك من حرمان من حقوقهم المدنية، وشبه احتجاز قسري لهم في البلاد التي تتداعى تحت وطأة أسوأ أزمة اقتصادية في تاريخها ومن الأعقد في تاريخ العالم.

الهجرة الثالثة

ويعكس الإقبال على إصدار جوازات السفر حجم لجوء اللبنانيين إلى الهجرة هربا من الأوضاع الاقتصادية والمعيشية المتردية في البلاد، لاسيما في ظل انعدام الحلول الواضحة في الأفق واستمرار الأزمة السياسية التي تنعكس أيضا على الواقع الاجتماعي للبلاد. وقد سميت حركة الهجرة الحالية بـ “موسم الهجرة الثالثة”، في إشارة إلى كونها الموجة الأكبر بعد الأولى التي امتدت من أواخر القرن 19 وحتى الحرب العالمية الأولى حيث هاجر خلالها نحو 330 ألف شخص والموجة الثانية التي جرت خلال الحرب الأهلية (1975 – 1990) والتي سجلت هجرة حوالي 990 ألف شخص.

ووفقا لأرقام صادرة عن “الدولية للمعلومات”، وصل عدد اللبنانيين المهاجرين والمسافرين عام 2021 إلى 79134 مقارنة بـ 17721 فردا في عام 2020، و18 ألفا في عام 2017، و33 ألفا في عام 2018، و66806 في عام 2019.

وعدد اللبنانيين الذين هاجروا وسافروا من لبنان خلال الأعوام 2017- 2021 هو 215653 شخصا.

وتظهر الأرقام أن أكثر المهاجرين هم من الفئات الشابة، حيث أن 70 في المئة منهم تتراوح أعمارهم بين 25 و40 عاما، وقد خسر لبنان خلال السنوات الخمس الماضية نحو 5 في المئة من سكانه.