رامي الريس

الحكم للشعب أولاً وأخيراً! – رامي الرّيس | نداء الوطن

الأخبار اليوميّة المتداولة حول الانهيارات المتلاحقة في القطاعات المختلفة إنما تنذر بالمزيد من العواقب الوخيمة على الصعيد الإقتصادي والإجتماعي والمعيشي. إنفصال محطات توليد الطاقة عن الشبكات وتراجع ساعات التغذية الكهربائيّة إلى حدودها الدنيا وصولاً إلى الإنقطاع الكامل في بعض المناطق اللبنانيّة، عدم توفر الأدوية، التلاعب الكبير برغيف الخبز من قبل مافيات الأفران وبعض الدوائر الوزاريّة وسوى ذلك من العثرات المتنامية ليست سوى مؤشرات عمّا سيأتي.

طبعاً، المرجعيّات الرئاسيّة المعنيّة بتأليف الحكومة قلّما إكترثت أو تكترث للأزمات التي تحاصر المواطن في يومياته وقوته ورغيفه. لديها ما يكفي من الميزانيات لتشغيل المولدات على مدار الساعة، وتنعم بالتكييف دون إنقطاع، وموائدها تزدحم بالأطباق اللذيذة التي صارت أكلافها تفوق قدرة المواطن على الإحتمال.




كل هذا ليس مهماً، المهم تثبيت الصلاحيّات الرئاسيّة، وفي هذا المنعطف الحسّاس بالذات. قوت الناس وآلامهم تأتي في المرتبة الثانية أو الثالثة… أو العاشرة. وقد لا تكون جزءاً من سجل المرتبات وتصنيفاته المملة. من يؤلف الحكومة؟ شراكة كاملة؟ نصف شراكة؟ حق توقيع مراسيم التشكيل؟ هذا هو المهم. عدا ذلك، يمكن للبنانيين البائسين (دون سبب يا ترى؟) أن يواصلوا ركوب أمواج الهجرة حتى ولو أدّت القوارب المطاطيّة إلى موتهم في أعماق البحر. المهم، الصلاحيّات مصانة.

ولكن، هل بحث أحدهم حقاً بمسألة الصلاحيّات الرئاسيّة التي تلازم «أدبيّات» العهد منذ بدايته وهو يشارف على الأفول؟ ما هذه العقدة النفسيّة التي تركت آثاراً سياسيّة وشللاً مؤسساتيّاً في أكثر الحقبات خطورة في تاريخ لبنان المعاصر؟ هل يجوز أن يهدر الرئيس (ودائرته الضيّقة من جهابذة السياسة والدستور الذين يبدعون في تعطيل العهد) كل سنوات ولايته دون أن يحقق أي إنجاز يُذكر؟

بالحديث عن الصلاحيّات الرئاسيّة، ثمّة تجربة واضحة للعيان وقد كانت مآلاتها النهائيّة في غاية التعاسة والفشل، وهي عندما أصر رئيس الجمهوريّة على التفاوض في ملف الترسيم البحري مع الاحتلال الإسرائيلي. ماذا كانت النتيجة سوى هدر نحو عام ونصف العام على ما سُمّي الخط 29 الذي لم يكن سوى مبالغة شعبويّة باهتة هدفها الوحيد تسجيل الأهداف الفارغة في مرمى الأخصام، وليس تحقيق المصلحة الوطنيّة اللبنانيّة العليا؟

طبعاً، الوقفة الاستعراضيّة التي قام بها «نواب التغيير» عند نقطة الناقورة الحدوديّة تمسكاً بالخط 29 لا تخرج عن سياق الخطوات الشعبويّة الاستهلاكيّة التي لا تمت إلى المصلحة الوطنيّة بصلة. كما أنها لا تختلف كثيراً عن عددٍ من المقاربات الصبيانيّة (بالإذن من «النائبات التغييريات»، إذا صح التعبير) في الكثير من المواقف التي تعكس فهماً سطحيّاً لتعقيدات الوضع الداخلي اللبناني.

مهما يكن من أمر، لقد بات واضحاً أن المعارك الوهميّة التي يخوضها العهد في أشهره وأسابيعه الأخيرة، إنما تشكل إستمراراً لنهج الفشل الذي إعتمد منذ مطلع الولاية الرئاسيّة. لكم كانت إختلفت الأوضاع لو أن الرئيس ميشال عون إستثمر المناخات الإيجابيّة التي توفرت بعيد إنتخابه، ونسج تفاهمات وطنيّة عريضة كان يمكن من خلالها الانتقال بالواقع اللبناني نحو حقبة من الازدهار والنهوض بدل قيادته إلى الانهيار والانكسار.

لا تُدار الدول بالسياسات العبثيّة، ولا بالنكايات أو إفتعال المشاكل كيفما إتفق، بل تُدار بعقليّة رجال الدولة الذين يملكون القدرة على العبور بالوطن من موقع إلى آخر، وأن يدخلوا التاريخ من بابه العريض، وأن تتذكرهم شعوبهم على أنهم من القادة الكبار الذين يصنعون التغيير بشجاعة وعقلانيّة.

من يتولون قيادة السفينة اللبنانيّة الغارقة يتمتعون بالصفات المعاسكة تماماً، والحكم أولاً وأخيراً للشعب!