تقرير: إيران تسجل إخفاقات استخباراتية داخلية وخارجية أمام إسرائيل.. وهذه تداعياتها

في مقال بعنوان “كيف يمكن أن تؤدي “ألعاب التجسس” بين إيران وإسرائيل إلى تأجيج التوترات الإقليمية؟”، قال الباحث فؤاد شهبازوف في تقرير تحليلي بموقع بمنتدى الخليج الدولي (مقره واشنطن)، إنه في عام 2020، واجهت وكالات مكافحة التجسس الإيرانية إحراجا كبيرا باغتيال العالم النووي “محسن فخري زاده”. وكان الاعتقاد السائد في البداية أن “فخري زاده” قُتل في هجوم على سيارته من قبل مسلحين، لكن تبين لاحقا أن العالم الإيراني اغتيل بواسطة مدفع رشاش يتم التحكم فيه عن بعد.

وتقليديا، تلقي السلطات الإيرانية باللوم على اغتيالات مماثلة على جماعة “مجاهدي خلق” المناهضة للنظام، لكن هنا وجهت طهران اتهامات للموساد الإسرائيلي بالوقوف وراء مقتل “فخري زاده”، فيما يعد اعترافا نادرا بقدرة إسرائيل على الضرب داخل العمق الإيراني.




ومنذ فترة طويلة تنخرط إيران وإسرائيل في حرب سرية، تضمنت مؤخرًا عمليات اغتيال على الأراضي الإيرانية. وحتى قبل تعليقات المسؤولين الإيرانيين على مقتل فخري زاده، تورط الموساد في قتل العديد من كبار الضباط في الجيش الإيراني، وكذلك علماء نوويين بارزين، ويُعتقد أنه نفذ سلسلة من التفجيرات ضد المنشآت النووية الإيرانية والمرافق والأهداف الاستراتيجية الأخرى.

التفجيرات والاغتيالات الأخيرة لعلماء بارزين شوهت الصورة الدولية للأمن الداخلي الإيراني. واستمرت الانفجارات في استهداف البلاد خلال عامي 2021 و2022، حتى عندما بدت طهران مترددة في إلقاء اللوم على المخابرات الإسرائيلية

وقد وقع الانفجار الكبير الأول في 25 يونيو/حزيران 2020، واستهدف مجمع بارشين العسكري جنوب شرقي طهران. وفي نفس الوقت، أثر انقطاع غامض في التيار الكهربائي على نصف مدينة شيراز الجنوبية.

وتبع انفجار “بارشين” انفجار آخر في منشأة تخصيب اليورانيوم في نطنز في 2 يوليو/تموز 2020، وتضم هذه المنشأة أجهزة طرد مركزي متطورة. وقد اعترفت السلطات الإيرانية بوقوع أضرار جسيمة، في حين خلص خبراء أجانب إلى أن الانفجار تسبب في انتكاسة للبرنامج النووي الإيراني لمدة عام إلى عامين.

ويؤكد الكاتب أن التفجيرات والاغتيالات الأخيرة لعلماء بارزين شوهت الصورة الدولية لقطاع الأمن الداخلي الإيراني. واستمرت الانفجارات في استهداف البلاد خلال عامي 2021 و2022، حتى عندما بدت طهران مترددة في إلقاء اللوم على المخابرات الإسرائيلية.

ويشير الكاتب إلى أنه لا ينبغي أن يكون هذا مفاجئًا؛ لأن الاعتراف بأعمال التخريب التي يرتكبها “جهاز مخابرات أجنبي” داخل الأراضي الإيرانية من شأنه أن يحرج جهاز الاستخبارات المضادة في إيران.

ومع ذلك، اعترفت طهران ضمنيًا بتورط “أطراف أجنبية” في الأحداث عندما انتقدت بشدة قوات الأمن المحلية لكونها غير قادرة على منع الاختراق الأجنبي واكتشاف “الخونة” داخل البلاد. حتى إن وزير المخابرات الإيراني السابق محمود علوي أشار بشكل غير مباشر إلى أن “الشخص الذي نفذ التحضيرات الأولية لعملية الاغتيالات كان عضوًا في الحرس الثوري”.

ومن المثير للاهتمام، أن علوي ليس المسؤول الإيراني الرفيع الوحيد الذي اعترف بفشل أجهزة مكافحة التجسس الإيرانية. واعترف القائد السابق للحرس الثوري محسن رضائي، في إحدى المقابلات التي أجراها بأن وثائق نووية إيرانية بالغة السرية سُرقت من مستودع بطهران من قبل عملاء إسرائيليين في عام 2018، بالرغم أن النظام الإيراني حاول في وقت سابق نفي هذه الأنباء.

ومع ذلك، فإن العلماء النوويين والمنشآت النووية ليسوا الأهداف الوحيدة ذات الأولوية للاستخبارات الإسرائيلية. وتشير الاغتيالات الأخيرة لمهندسي الفضاء وضباط الأمن رفيعي المستوى إلى أن إسرائيل نوعت حملتها، وركزت على مجموعة واسعة من الأفراد المرتبطين ببرامج الطائرات بدون طيار والصواريخ الإيرانية أيضا.

وأثار التقدم الذي أحرزته إيران مؤخرًا في تطوير الطائرات بدون طيار، ونقلها إلى وكلائها في الشرق الأوسط، مخاوف إسرائيل، وأدت إلى رد فعل مضاد من قبل تل أبيب.

ويمكن اعتبار الوفاة الغامضة لمهندسين وأعضاء في الحرس الثوري استمرارا منطقيا للإجراءات الإسرائيلية المضادة.

وفي 22 مايو/أيار 2022، قُتل العقيد في فيلق القدس حسن صياد خدائي برصاص مجهولين في وسط طهران.

وبعد أسبوع من هذه الحادثة، توفي علي إسماعيل زاده، وهو عقيد ثان في فيلق القدس، إثر “حدث غامض في منزله”؛ مما أدى إلى انتشار شائعات عن اغتياله.

وفي يونيو 2022، توفي أيضا 3 مهندسين إيرانيين تابعين للحرس الثوري، وهم أيوب انتصاري وعلي كماني ومحمد عبدوس، في ظروف مريبة أثناء تأديتهم الخدمة.

وبالرغم أن السلطات الإيرانية سعت لتجاهل سبب مقتلهم إعلاميا، إلا أن وصف طهران لهم جميعا بـ”الشهداء” يوحي أنهم اغتيلوا.

ويقول الباحث إن إخفاقات إيران المتتالية دفعت إلى الاعتقاد بأن هناك اختراقا كبيرا في أجهزتها الأمنية. ومع ذلك، تنبع مشاكل الأمن الداخلي لإيران أيضًا من عدم وجود بروتوكولات حماية للعلماء والمهندسين والفنيين المرتبطين ببرامجها الدفاعية. وقد يُعزى ذلك إلى العدد الكبير من الأشخاص العاملين في مثل هذه المناصب؛ مما يعقد الجهود المبذولة للحفاظ على سلامتهم جميعا.

إخفاقات إيران المتتالية دفعت إلى الاعتقاد بأن هناك اختراقا كبيرا في أجهزتها الأمنية، وتسبب العجز الأوسع لجهاز استخبارات الحرس الثوري، في حدوث ارتباك كبير في طهران

وتسبب الافتقار إلى البروتوكولات الأمنية اللازمة، والعجز الأوسع لجهاز استخبارات الحرس الثوري، في حدوث ارتباك كبير في طهران. وقد أدى الإخفاق المتكرر إلى زيادة التوترات داخل أجهزة الأمن الإيرانية، وعزز الانقسامات التي تجلت في الاتهامات الأخيرة لرئيس المخابرات السابق في الحرس الثوري حسين طائب بعدم الكفاءة.

وقال منتقدو “طائب” رفيعو المستوى، بمن فيهم قائد فيلق القدس الجنرال إسماعيل قآني ووزير المخابرات إسماعيل الخطيب، إن “جهل طائب بالمعايير الأولية للأمن القومي والإخفاق في إجراءات مكافحة التجسس أضرا بالكيانات الأمنية الرئيسية في إيران”. ونتيجة لذلك؛ أطاح المرشد الأعلى لإيران علي خامنئي بـ”طائب” بعد نحو 12 عاما من توليه المنصب، وعيّن محمد كاظمي بدلا منه.

ومع ذلك، يشير الكاتب، فإن إقالة “طائب” لم تمنع إخفاق إيران في تنفيذ “عملية انتقامية” في تركيا. ففي يونيو الماضي، ذكرت وسائل إعلام تركية وإسرائيلية أن إيران أرسلت عملاء تحت غطاء رجال أعمال وسياح وطلاب إلى إسطنبول لاغتيال مواطنين إسرائيليين انتقاما من عمليات إسرائيل على الأراضي الإيرانية. وتم إحباط مؤامرة الاغتيال في نهاية المطاف من خلال عملية مشتركة للمخابرات التركية والإسرائيلية، وتم اعتقال جميع المشتبه بهم داخل تركيا وبحوزتهم مخزون كبير من الأسلحة والذخيرة.

ويختم الباحث بالقول إنه بعد عدد متزايد من الإخفاقات الاستخباراتية داخل وخارج البلاد، تحدثت السلطات الإيرانية بشكل متزايد عن ضرورة تطهير وإصلاح أجهزة الأمن الداخلي. وبالرغم أن إسرائيل لم تعلن مسؤوليتها عن أي من الاغتيالات الأخيرة، فإن إجراءات طهران الانتقامية قد تؤثر على المحادثات النووية وقد تؤدي إلى تصعيد الموقف أكثر على المدى القصير.