السيناريو الذي تخشاه أوروبا.. اللاجئون السوريون في لبنان يترقبون خططاً حكومية لترحيلهم عن البلاد

فرَّت السيدة السورية أم جواد إلى لبنان عام 2011، حين كانت في العشرين من عمرها، هرباً من حصار النظام السوري لمدينة حمص، مسقط رأسها. وعلى الرغم من الانهيار الاقتصادي المدمر في لبنان والعداء المتفاقم بين الفينة والأخرى ضد اللاجئين السوريين في البلاد، فإنها استطاعت تحصيل سبل العيش، وتمكنت من البقاء على قيد الحياة خلال العقد الماضي. لكن السلطات اللبنانية تريد الآن إعادتها مع مليون لاجئ آخر إلى سوريا، بدعوى أن مناطق كثيرة من بلادهم التي مزقتها الحرب باتت الآن مناطق آمنة. ذُعرت أم جواد لهذه الأخبار عن ترحيلهم، فهي ترى أن المعيشة في لبنان، وإن كانت صعبة، فهي خير من العودة إلى سوريا والهلاك فيها، كما تقول صحيفة The Washington Post الأمريكية.

أوروبا تخشى ترحيل اللاجئين السوريين من لبنان

بحسب الصحيفة الأمريكية، دفعت تلك المخاوف أم جواد إلى التفكير في هروب محفوف بالمخاطر إلى أوروبا عن طريق البحر برفقة زوجها وأطفالهما، الذين يبلغ عمر أصغرهم 6 سنوات، وأكبرهم 11 سنة. وتأمل أم جواد في أن تتمكن هناك من إتمام هناك شهادتها في المحاسبة، وإلحاق أطفالها بالمدارس، والحصول بانتظام على احتياجاتها من أدوية مرض الصرع.




قالت أم جواد، التي تتخذ من اسم أكبر أبنائها كنية لها، “إنهم (الأوروبيون) يعيشون عيشة طيبة، أما هنا، فأنا وأولادي وزوجي نعيش في خيمة”.

يمر لبنان بإحدى أشد الأزمات الاقتصادية وطأة في تاريخه الحديث، وحمل ذلك مزيداً من اللبنانيين والسوريين على محاولة الهجرة إلى أوروبا، مهما بلغت رحلتهم عبر البحر من مخاطر.

يبدو أن الخطة التي أعلنت عنها حكومة لبنان مؤخراً لترحيل 15 ألف لاجئ إلى سوريا كل شهر ستدفع مزيداً من الناس إلى رحلة الهجرة. ويأتي ذلك في وقت تعاني فيه أوروبا بالفعل مصاعب استقبال ملايين اللاجئين الأوكرانيين الفارين من الحرب المستمرة منذ أشهر في بلادهم.

اللاجئون السوريون لبنان
لاجئون سوريون في مخيم البقاع بلبنان/ رويترز

 

لماذا يريد لبنان ترحيل اللاجئين السوريين؟

يتحدث الجيش اللبناني وأجهزة أمنية أخرى في بياناتهم الصادرة كل أسبوع عن نجاحهم في إحباط محاولات هجرة قبالة السواحل الشمالية للبلاد. وأوردت الأخبار غرق سبعة مهاجرين في شهر أبريل/نيسان على أثر مباغتة الجيش اللبناني لقاربٍ يضم مهاجرين لبنانيين وسوريين.

وقالت أم جواد: “اللبنانيون أنفسهم تشق عليهم المعيشة هنا، ويحاولون المغادرة، فما بالك بالسوريين؟ فليعن الله اللبنانيين والسوريين على الخروج من هذه الأزمة”.

تعيش أم جواد في مخيم للاجئين السوريين بالقرب من معبر لبناني يقع شرق البلاد على الحدود مع سوريا. وفي المخيم، يحاول الناس تلمس سبل العيش، فيلعب الأطفال كرة القدم في أزقته، ويطلب الناس احتياجاتهم بالمقايضة مع الباعة الجائلين.

تعسَّرت المعيشة على الناس في المخيم خلال المدة الماضية، فقد تتابعت عليهم قلة إمدادات المانحين ثم وباء كورونا والأزمة الاقتصادية في لبنان، ما أجبر كثيراً من اللاجئين على الانغماس في الديون لشراء الغذاء والدواء وتسديد الإيجار.

يبلغ تعداد سكان لبنان خمسة ملايين نسمة، ويقول مسؤولوه إن البلد بات لا يطيق الاستمرار في استضافة اللاجئين السوريين الذين يزيد عددهم على مليون لاجئ، وعلى الرغم من معارضة الأمم المتحدة وجماعات حقوق الإنسان، فإن السلطات تصر على البدء في ترحيل اللاجئين في غضون أشهر.

حريق مخيم المينية للاجئين السوريين
لاجئين سوريين بمخيم المينية بلبنان (خاص)

العودة إلى الجحيم

أبدت السلطات اللبنانية تأييدها لإعادة اللاجئين قسرياً طيلة سنوات، لكنها لم تنجح في التوصل إلى خطة شاملة إلا منذ وقت قريب. ويحاول المسؤولون اللبنانيون تبرير هذه الإجراءات بالقول إن المسؤولين السوريين أكدوا لهم أن في سوريا مناطق آمنة كثيرة يمكن للاجئين العودة إليها.

حصلت وكالة The Associated Press على وثيقة حكومية لبنانية تعود إلى أبريل/نيسان، وتؤكد فيها دمشق للسلطات اللبنانية أن العائدين سيُمكَّنون من الحصول على بطاقات هوية وشهادات ميلاد وغيرها من الخدمات الاجتماعية والسكن المؤقت ومرافق البنية التحتية اللازمة للمعيشة. وكتب المسؤولون السوريون إن العائدين سيستفيدون من عفو أقرَّه رئيس النظام السوري بشار الأسد للمعارضين السياسيين والمتهربين من التجنيد العسكري.

لكن واقع الأمر أن نظام الأسد تعذر عليه إعادة بناء المناطق التي استعادها بعد أن دمرها بالحصار والغارات الجوية، لا سيما أن اقتصاد سوريا، مثل اقتصاد لبنان، في حالة يرثى لها. وقد أدت العقوبات، التي فرضها الغرب على نظام دمشق بسبب قمعه الوحشي لاحتجاجات المعارضة في عام 2011، إلى تفاقم أزمة الاقتصاد في البلاد.

يخشى كثير من اللاجئين السوريين ما قد ينالهم من أذى على أيدي النظام السوري إذا أُجبروا على العودة، خاصة أن أجهزة الأمن سيئة السمعة ما زالت لها السيطرة في بلادهم.

وقالت لما فقيه، مديرة قسم الشرق الأوسط وشمال إفريقيا ومديرة مكتب بيروت في منظمة “هيومن رايتس ووتش”، إن المنظمة وثَّقت حالات عديدة للاجئين سوريين واجهوا الاحتجاز والتعذيب وغيرها من انتهاكات حقوق الإنسان عند عودتهم إلى البلاد، حتى بعد حصولهم على الأذون الأمنية التي يفرضها النظام السوري.

“هل أهرب إلى مكان تُذبح فيه عائلتي؟”

تخاف أم جواد أيضاً من أن يُجبر زوجها على العودة إلى الخدمة بجيش النظام السوري، علاوة على أن “نقاط التفتيش تنتشر كل بضع مئات من الأمتار، وبين كل حي وآخر، والجريمة متفشية في البلاد، حتى إنك لا تكون آمناً وأنت بين جنبات منزلك”.

أما حسن المحمد، وهو لاجئ سوري يعمل في حقول سهل البقاع اللبناني، ويعيش برفقة أطفاله الاثني عشر، فقال إنه يتوق للعودة إلى منزله، لكن الوقت ليس مناسباً الآن، فمسقط رأسه جنوب غرب مدينة حلب لا يزال على خط المواجهة بين النظام السوري والمعارضة، “فهل أهرب من أزمة اقتصادية هنا إلى مكان تُذبح فيه عائلتي؟”

في الوقت نفسه، يرى كثير من اللبنانيين أن إعادة السوريين إلى ديارهم ستخفف من الأزمة الاقتصادية في لبنان، لا سيما وقد بات ثلاثة من كل أربعة لبنانيين يعيشون تحت خط الفقر. وقد أدت تلك المصاعب الاقتصادية إلى تزايد التوتر بين اللبنانيين والسوريين وبروزها للعلن.

يقول حسن المحمد، إن المخابز تعطي الأولوية أحياناً للمواطنين اللبنانيين في الحصول على حزم الخبز، وتجبر السوريين وغير اللبنانيين على الانتظار ساعات. واستنكر المزاعم بأن اللاجئين يستفيدون بالمعونات على حساب اللبنانيين. وقال: “لقد خفضوا المساعدات، ونحن نعمل لتأمين قوتنا. وما نجنيه من مال يذهب لشراء الخبز”.

الأمم المتحدة: سوريا ليست آمنة بعد

اقترح وزراء لبنانيون في الأشهر الماضية أن تعمد مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين إلى تعديل توجيهها لمساعدات اللاجئين وتخصيصها للاجئين العائدين إلى سوريا، كطريقة لتحسين الحالة هناك وتحفيز غيرهم على العودة.

لكن تلك الدعوات لم تلقَ حتى الآن استجابة من الجهات المعنية، وتقول وكالة اللاجئين التابعة للأمم المتحدة، ومعها الدول الأوروبية والولايات المتحدة وكثير من منظمات حقوق الإنسان، إن حقيقة الأمر أن سوريا ليست آمنة بعد.

أعرب مسؤولون لبنانيون عن غضبهم من الرفض الدولي لدعواتهم. وقال عصام شرف الدين، وزير شؤون المهجرين في لبنان، هذا الشهر، إن رفض الأمم المتحدة تعديلَ وجهة المساعدات يُثني اللاجئين عن العودة. وقال إن التقارير عن بدء وشيك لعمليات ترحيل جماعية جديرة بأن توصف بأنها “حملة تخويف” لا أساس لها من الصحة.

وقال اللواء عباس إبراهيم، عضو لجنة عودة اللاجئين في الحكومة اللبنانية، للصحفيين، الأسبوع الماضي: “يبدو أن المجتمع الدولي لا يريد عودة السوريين إلى بلادهم”.