أنواع الموت التي اختارها لنا نصرالله وخيارنا الوحيد المتبقّي

دعونا نقرأ المشهد الداخليّ بعد أسبوع على تهديد #نصرالله إسرائيل بالحرب. الجدال حول الموضوع قد تراجع، وكأنّ المسألة لم تكن بخطورة تعريض لبنان لخطر الحرب. الصمت السياسي اليوم، يعني عملياً أنّ نصرالله حصل على موافقة دولته وشعبه للتصرّف بمصير البلاد رغم كلّ الضجيج الذي تبع كلمته مباشرة. ولطالما شكّل هذا الصمت تأشيرة لنصرالله لمتابعة احتكاره قرار الحرب والسلم في لبنان. وربما ليس صدفة أن تبدأ بالبروز، المواقف المؤيدة “بقوة” للحرب بعد انكفاء صوت الاعتراض، كما جاء مثلاً في بيان صادر منذ يومين عن “شيوعيون لبنانيون”.

فلنراجع معاً مسار الوصول الى هذا الصمت. بعد انتقال قيادة مفاوضات ترسيم الحدود المائية مع إسرائيل الى رئيس الجمهوريّة، المكلّف هذه المهمّة بحسب الدستور، وتصريح نصرالله بالوقوف خلف الدولة في مفاوضاتها، أرسل “#حزب الله” مسيّرات فوق حقل كاريش، بدون قرار من الدولة، مساهماً في تعديل مسار التفاوض.




على الأثر صدرت مواقف مستنكرة لإرسال المسيّرات من رئيس الحكومة ووزير الخارجيّة، لكن بدون أيّ تدبير عمليّ لوقف ما قالوا أنّه “غير مقبول”. من جهته التزم رئيس الجمهوريّة الصمت، وهو المسؤول عن قيادة المفاوضات والمتأهّب دائماً للدفاع عن صلاحياته.

بدورها استنكرت “القوى السياديّة” إرسال المسيّرات، وأيضاً دون الإعلان عن أيّ تحرّك سياسي أو دستوري. وبالتزامن صدر بيان لـ”نواب التغيير” عن الوضع الاقتصادي – المعيشي دون أن يتناول هذا الحدث. فيما صرّح النائب التغييريّ الياس جرادي: “أنا مع المسيّرات والمسيرّات للضغط على الدولة من أجل اتّخاذ موقف واضح لنعرف على ماذا نفاوض”.

بعد فترة هدّد نصر الله في كلمة له، باللجوء الى الحرب، في حال لم تؤدِّ المفاوضات الى الحفاظ على ثروة لبنان المائيّة، وبمنع إسرائيل من استثمار الغاز في حال لم يتمكّن لبنان من استثمار ثروته الغازيّة. تبعت هذا التهديد مواقف مندّدة من القوى “السياديّة” مقابل صمت رئاسة الجمهوريّة والحكومة. كما لم يصدر بيان موحّد حول الموضوع عن “نواب التغيير”.

لكنّ موقف النائب التغييري ميشال دويهي كان واضحاً باحتجاجه على ما جاء على لسان نصرالله: “أنّ خطاب أمين عام الحزب وتهويله بالحرب يؤكّد أنّ في لبنان من يعتبر نفسه فوق الدستور، الذي أناط بالسلطة السياسية وحدها صلاحية اتّخاذ قرارات الحرب والسلم وبالجيش اللبناني الدفاع عن الحدود. لن تستقيم الحياة السياسية ولن يستعيد الاقتصاد اللبناني عافيته في ظلّ وجود السلاح وارتهان بعض الأحزاب لسياسات المحاور. من هنا، نتطلّع الى العمل على انتخاب رئيس جمهورية سياديّ إصلاحيّ لكي نتمكّن من استعادة الدولة اللبنانية من خاطفيها”. موقف النائب ميشال دويهي يلمّح الى مسؤولية رئيس الجمهورية عن خطف الدولة، لكنّه يعوّل على انتخاب رئيس جديد سيادي وإصلاحي لتغيير الوضع، مع علمه أنّ الوضع ربما لا يحتمل انتظار الانتخاب. ويبدو أنّه لا يعوّل على الشعب اللبناني للّجوء الى الخيار السري لانكي، الذي يقضي باقتحام القصور.

بالإضافة الى عدم حصول اعتراض فعليّ على تفرّد نصرالله بقرار الحرب والسلم، حقّق هذا الأخير نصراً “فكرياً” لم يلقَ بعد الردّ المناسب أو الكافي عليه. صحيح أنّ كلمة نصرالله كانت في جانب منها تهديداً بالحرب، لكن في جانب آخر، كانت ضرباً لأسس ومقاربات “التغيير” في لبنان، وذلك من خلال الحجج التي قدّمها لتبرير إمكان لجوئه الى الحرب.

فلنقرأ ما قاله نصر الله حرفيًّا: “الفرصة الذهبية للبنان للحصول على هذه الثروة النفطية والغازية هي في هذين الشهرين، وإذا انقضت هذه المدّة الزمنية ولم يحصل لبنان على حقوقه فسيكون الموضوع صعباً جدّاً. المقاومة هي نقطة القوّة الوحيدة والحقيقية التي يمتلكها المفاوض اللبنانيّ. إنّنا لم نتّفق مع أحد ولم نقل لأحد إنّنا لن نقدم على خطوة وننتظر المفاوضات. نحن خلف الدولة في الترسيم، لكنّنا لن نقف مكتوفي الأيدي ولم ولن نلتزم مع أحد، ومن حقنا اتّخاذ أيّ خطوة في الوقت والحجم المناسبين للضغط على العدو لمصلحة لبنان”.

“نحن لا نمارس حرباً نفسية. نحن جديّون وهذه طريق الإنقاذ الوحيدة للبنان والوطن وكيان الدولة المهدّدة بالانهيار. نحن نتحدّث عن عملية إنقاذية، لأنّنا إذا بقينا على ما نحن عليه فلبنان ذاهب إلى ما هو أسوأ من الحرب. هناك من يريد لهذا الشعب أن يموت جوعاً وأن نقتل بعضنا على أبواب الأفران ومحطات البنزين، وإذا كان الخيار أن لا يُساعَد لبنان ويُدفع باتّجاه الجوع، فالحرب أشرف بكثير”. وختمَ “نحن لا نختصر المسألة بحقلَي كاريش وقانا، المسألة لدينا أكبر وأبعد بكثير. إذا وصلت الأمور الى الخواتيم السلبية فلن نقف عندَ كاريش، وإذا كانَ الهدف منع لبنان من استخراج النفط والغاز، فلن يستطيع أحد أن يستخرج غازاً ونفطاً ولا أن يبيع غازاً ونفطاً مهما تكن العواقب. وصلنا الى آخر الخطّ”.

يمكننا إبداء أربع ملاحظات حول كلمة نصرالله، المتعلّقة بنقض أسس التغيير ومقارباته.

– الملاحظة الأولى: مرّة جديدة يؤكّد نصرالله عدم احترامه للدستور. فهو يقف خلف الدولة “في الترسيم” وليس بالنسبة إلى جميع القضايا، وهو لا ولن يلتزم ما تقوم به، ومن “حقّه” اتّخاذ أيّ خطوة يجدها مناسبة. ومصدر حقه ليس بالطبع الدستور.

– الملاحظة الثانية: نصرالله لا يعترف بالديموقراطيّة، بل يرى من “الطبيعي” أن يأخذ قراراته منفردًا ودون الحاجة الى موافقة شعبه عن طريق المؤسسات الدستوريّة. نصر الله يطبّق علينا عقيدة ولي الفقيه التي تعطي الحقّ لشخص أن يقرّر عن جماعة، وعلى هذه الجماعة التزام ما قرّره.

– الملاحظة الثالثة: يعتبر نصرالله أنّ ما يطرحه، أي التهديد بالحرب للحصول على النفط والغاز، هو “طريق الإنقاذ الوحيد للبنان”. لا مشكلة لديه إذا كان علينا انتظار أكثر من عشر سنوات للإفادة من النفط والغاز. فهو يستطيع الانتظار من خلال الدعم الماليّ الإيراني. المشكلة بالنسبة الينا تُختصر بالجوع والتقاتل على أبواب الأفران وفي محطات البنزين. لكن بالنسبة إليه لا شيء يمكن القيام به، لا في موضوع مكافحة تهريب الطحين والبنزين الى سوريا، ولا في مجال مكافحة الجوع. ليس هناك إصلاحات مطلوبة ولا سياسات اقتصاديّة اجتماعيّة ممكنة ولا حاجة لاسترجاع الأموال المنهوبة ولا لاسترجاع أموال المودعين. فكلّ ذلك يمكن أن يطال أركان السلطة التي يحميها. وهذا ممنوع منعًا باتًا. لم يعد نصرالله يفكّر بالاقتصاد المنتج، وبتقوية الصناعة والزراعة على حساب الاقتصاد الريعيّ الذي لم يتوقّف حزبه يوماً عن انتقاده. عينه على الغاز والنفط، أي على اقتصاد ريعي من نوع آخر، يوفّر له وللسلطة، القاعدة الاقتصاديّة لاستكمال الهيمنة على مقدّرات البلاد وشعبها، تماماً كما في البلدان الخليجية، ولا فرق هنا بين عرب وفرس.

– الملاحظة الرابعة: يعتبر نصرالله ما يقوم به “ضغطاً” على إسرائيل ودعماً للمفاوض اللبناني. في مفهومه للضغط، هو لا يبالي بضرورة التنسيق بين من يفاوض ومن يقوم بالضغط، وانّه من الأفضل أن يلجأ الطرف المفاوض نفسه الى استخدام وسائل الضغط، للتحكّم بالمسار العام. كما لا يكترث بأنّه يضغط دون أن يثبت حقّه القانونيّ، ممّا يؤدّي الى وضع لبنان في موقع المعتدي، مع ما يترتّب على ذلك من تبعات دولية. فلقد وقف نصر الله خلف الدولة عندما تخلّت عن المطالبة بحقّها في الخطّ 29 أمام الأمم المتّحدة. وهو يضغط اليوم في ظلّ حاجة دوليّة وأوروبيّة لغاز إسرائيل وبموازاة تشكّل ما يشبه الـ”ناتو” الأميركي – الإسرائيلي – العربي في مواجهة الروس وإيران. وإذا كان ما يهدّد به يخيف إسرائيل لأنّه يهدّد اقتصادها، فوسيلة الضغط التي يريد استخدامها كفيلة بتدمير لبنان كلّيًّا، اقتصاديًّا وسياسيًّا وكيانًا.

على ضوء ذلك لا يبدو أنّ تهديد نصر الله يخدم لبنان بقدر ما هو يخدم إيران التي تريد أن تلعب ورقة الترسيم مع المفاوض الأميركيّ. وربما انّ اللعبة قطعت شوطاّ، إذ انّ المدير العام للأمن العام، عباس إبراهيم، وهو الوسيط الدائم بين أميركا وإيران، صرّح بأنّ تسوية حول الترسيم في طور الإنجاز. وها هي السفيرة الأميركيّة تلاقيه البارحة بتأكيد مماثل.

بعد أن خيّرنا نصرالله بين أن نموت بالحرب أو أن نموت جوعًا وأمام أبواب الأفران ومحطات البنزين، وبعد أن نسف مرتكزات التغيير الديموقراطي في لبنان، أليس أشرف لنا وأكثر أماناً، أن نكسر صمتنا وأن نواجه، ولو حتّى الموت، السلطة التي تمنعنا من العيش بكرامة، ومن يحميها ويريد أن يزجّ بنا في حرب رغمًا عن إرادتنا؟

المصدر: النهار