لبنان في لحظات الإحتدام الدولي: لا لمغامرات جديدة! – رامي الرّيس | نداء الوطن

ماذا يعني الركون والاستسلام لفكرة أن السطوة الخارجيّة من خلال قوى محليّة فاعلة على القرار الوطني اللبناني هي ناجزة وغير قابلة للتغيير نتيجة معادلات إقليميّة تفوق قدرة لبنان على الإحتمال؟ إنها تعني عمليّاً القبول بالقدر والخضوع له والتعوّد التدريجي على أن لبنان القديم انتهى وأن هناك واقعاً جديداً لا مفر من الاعتراف بتبلوره ولو على حساب المصلحة الوطنيّة أو رأي الغالبيّة الساحقة من اللبنانيين.

إذا كانت قضيّة سلاح «حزب الله» منوطة بالتوصل إلى تسوية كبرى لا تبدو ظروفها السياسيّة والموضوعيّة متوفرة حتى اللحظة بفعل التحولات الإستثنائيّة والهائلة التي تشهدها المنطقة العربيّة والشرق الأوسط؛ إلا أن تلك المعطيات – رغم فداحتها ودراماتيكيتها – تتطلب المزيد من الإصرار على مناقشة الخطة الدفاعيّة المنتظرة والتوصل إلى تفاهم معيّن في هذا المجال.




لا يستطيع لبنان أن يحتمل مجدداً مغامراتٍ تكلفه الأثمان السياسيّة والإقتصاديّة الباهظة فقط لأن هناك محاور إقليميّة تريد أن تستغل كل الأوراق المتوفرة لديها في اتفاقاتها النوويّة أو في مجال إستخراج الثروات النفطيّة والغازيّة من عمق البحار. ولا يستطيع لبنان أن يكون ضحيّة صراع دولي بين الأقطاب العالميّة التي تتصارع شكلاً في أوكرانيا ولكنها تستبطن في خلافاتها العميقة نزاعات ساخنة حول النفط والغاز والغذاء.

بقدر ما تستمر الحاجة للاستفادة من كل الامكانيّات الدفاعيّة في لبنان، ولكن في كنف الدولة وعبر أطرها الرسميّة لردع أي جنون إسرائيلي جديد؛ بقدر ما يجب الإصرار على عدم إقحام لبنان في صراعات الدول والمحاور الكبرى فقط لأن ثمّة أطرافاً سياسيّة محليّة معروفة بامتداداتها الإقليميّة تريد إثبات ولاءاتها المتفلتة من أية إعتبارات لبنانيّة صرفة.

من هنا، يبدو أن التحوّل الأخير في خطاب «حزب الله» الذي انتقل من ضفة «الوقوف خلف الدولة» في ملف الترسيم البحري إلى ضفة عدم استبعاد إعلان الحرب إذا إقتضى الأمر، هو بمثابة تطوّر سلبي خطير قياساً إلى مقتضيات المصلحة الوطنيّة اللبنانيّة التي تتلخص في هذه اللحظة السياسيّة بالذات بأهميّة الإتفاق على إنجاز تسوية مقبولة في ملف ترسيم الحدود البحريّة بعيداً عن الاستعراض السياسي والإعلامي والمزايدات الرخيصة التي لا تمت إلى عالم الواقع السياسي بصلة.

هل يمكن تصوّر النتائج الكارثيّة التي ستتمخض عن إنغماس لبنان، من خلال بعض فصائله المسلحة (وليس لبنان الرسمي الغائب عن السمع)، في خضّم الصراعات الدوليّة المتأججة حول النفط والغاز والغذاء الذي بدأ يأخذ أبعاداً دراماتيكيّة خصوصاً في القارة الأوروبيّة العجوز التي تواجه في هذه الحقبة بالذات تحديات هوياتيّة ووجوديّة عميقة تضع المشروع الأوروبي برمته على محك الإستمرار والصمود؟

إذا كانت القدرات اللبنانيّة أضعف من أن تتمكن من التأثير بأي شكل من الأشكال في مجريات الصراع الدولي (وهي كذلك فعلاً)، فلماذا لا يعتمد لبنان سياسة ديبلوماسيّة عاقلة تمكّنه من العبور نحو الفوز بتسوية ترسيم الحدود البحريّة دون ملامسة حدود الخلافات الدوليّة، وهذا متاح ما لم تتنطح بعض القوى المحليّة لتقديم مصلحة المحاور الإقليميّة على مصلحة لبنان العليا.

على مشارف أشهر معدودة من انتهاء ولاية رئيس الجمهوريّة ميشال عون، تتزايد الحاجة للبحث عن شخصيّة وفاقيّة قادرة على أن تكون على مسافة واحدة من جميع اللبنانيين وأن تعيد فتح النقاش، بجرأة وتعقل، حول القضايا الوطنيّة الكبرى التي تعيق بناء الدولة واستكمال مشروعها المعلق منذ عقود.

المطلوب البحث عن «العقل السياسي» للرئيس وليس عن «عضلاته» الشعبيّة. لقد لمس اللبنانيون إلى أين ذهب بهم «الرئيس القوي». القوّة، في الحالة اللبنانيّة، ليست معيار الرئاسة!