نبيل بومنصف - النهار

بيروت الأشباح … حقيقتنا! – نبيل بومنصف – النهار

قد تبدو مبرّرة ومسوّغة الى حدود بعيدة تلك الموجة الإعلامية الصاخبة بتضخيم كبير لموسم اصطيافي يصوَّر على أنه جرعة التنفس للاختناقات اللبنانية المتدحرجة منذ عام 2018. لكن التسليم الضمني بفوائد محدودة لشهرين من توافد مئات الألوف من اللبنانيين المغتربين المتلهّفين لـ”الضيعة” والساحل والجبل وسائر مشتقات الحنين اللبناني، لن يشكل في البعد الاقتصادي والسياسي إلا طرفة عين لوهلة عابرة ستنتهي عاجلاً، فيما الوجع المستحكم بعمق لا قرار له يمثل أمام أنظار القاصي والداني، المقيم والمنتشر، اللبناني والعربي والغربي والأجنبي، في تلك التي كانت جوهرة الشرق الأوسط وملكة المدن العربية قاطبة، #بيروت.

في هذه اللحظة التي يقف فيها لبنان أمام كل تناقضاته وأزماته واستحقاقاته وتحدّيات الغد الذي لا نعرف هل سيكون غداً أم استحضاراً لماضٍ قاتم، تندلع أنغام مقيتة حول بيروت تنحو نحو استحضار نزعة طائفية بغيضة وإنعاش مفردات الحرب الأهلية “شرقية مسيحية وغربية إسلامية” على خلفية طروحات تتصل بتقسيم بلدية العاصمة. تتصاعد هذه الأنغام على نحو مثير للتقزز فيما تتبارى الشاشات التلفزيونية في نقل سهرات المناطق الهازجة من كل أنحاء لبنان إلا من قلبه تحديداً الذي يرزح تحت أسوأ ما شهده إطلاقاً منذ الحرب التي قسمته الى شطرين سحابة 15 سنة “ميدانية” ومن بعدها لعقود في تقسيم نفسي وطائفي وحتى “طبقي”، الى أن حلت “الثورة” ومن بعدها زلزال 4 آب.




بيروت هذه التي سنحيي بعد فترة قصيرة الذكرى الثانية لانفجار كان تصنيفه الرابع عالمياً في قوته التفجيرية التقليدية، يكاد قلبها الصامت وأسواقها الفخمة الفارغة، وهياكلها المحترقة في آثار الشغب والغضب الثائر، وما ضربها من ارتدادات لثلاث سنوات متعاقبة بعد الثورة، والدمار الماثل في محيط المرفأ المدمّر المحترق وأهرائه التي تذكّرنا حرائق القمح العفن كل يوم بأن 4 آب هو قدر يومي محتمل في لبنان… يكاد كل هذا يختصر لبنان الحقيقي الجوهري وحقيقته المفجعة التي تتربّص بكل الذين سها عن بالهم أن حقيقة لبنان الانهيار والكارثة هي هنا في بيروت وقلب بيروت وأسواق بيروت وأحياء بيروت.

هذه الفجيعة تطالعك في كل لحظة مع مئات المتاجر المهجورة والأسواق الفارغة إلا من ذكريات أزمان العز يوم كان الانبهار بالأسطورة اللبنانية يشعّ على الشرق العربي كله ويجذب العرب الى درّة ما كان يسمّى العالم العربي قبل أن تدهمه هو الآخر تقاسيم الحرب المذهبية بين سنة وشيعة. وهي الفجيعة التي تطالعك مع هجرة أكثر من تسعين في المئة مما كانت أفخم وأجمل الأسواق التي استعادت بيروت ألقها في العقود التي أعقبت الحرب وإن بكلفة باهظة. بيروت اليوم هذه هي حقيقة الانهيار وحقيقة الاقتصاد وحقيقة لبنان كله الواقف عند ضفتي المصير الآتي، فإما عبور الى النجاة وبدء المسار الجديد الذي يستعيد وجه بيروت الأصيلة الجميلة ويعيدها الى الحياة، وإما الانزلاق القاتل الى جحيم ثانٍ يراد للبنانيين أن يتدحرجوا إليه بأشد ممّا شهدوه في “الجحيم الأول” المثبت على لسان رئيسهم.

سيأتي الرابع من آب في ذكراه الثانية مع كل ما يحمله عن العاصمة ومناطق لبنان القريبة والبعيدة من خلاصات حقيقية لا تخضع لتجميل وتضخيم تلفزيوني وإعلامي بل سينطق بالحقيقة العارية وحدها. بيروت المهجورة إلا من الأشباح هي حقيقتنا.