“الترسيم” يحجز الحكومة وممر إجباري للرئاسة… معادلة نصرالله: “تعيين” رئيس يُشبه ميشال عون!

ابراهيم حيدر – النهار

يتقدم ملف #ترسيم الحدود على كل الملفات اللبنانية، من الحكومة إلى استحقاق الرئاسة وبينهما خطة التعافي الاقتصادي والعلاقة مع المجتمع الدولي. وبات الحل اللبناني أو التسوية الداخلية معلقان بالترسيم وسط التصعيد الذي أطلقه الأمين العام لـ”#حزب الله” #حسن نصرالله وإعطائه مهلة شهرين للتوصل إلى اتفاق وكرّس من خلاله وضع الحزب المقرر في المجال العسكري والسياسي لبنانياً نظراً لارتباط الملف بالاستحقاقات الأخرى وما يمكن أن يفتحه من احتمالات حول الوضع اللبناني. والواقع أن ملف ترسيم الحدود بات صلة الوصل الوحيدة مع المجتمع الدولي، ومنها لا يمكن فصله عما يجري من تطورات إقليمية ودولية، فالنفط والغاز عنصران أساسيان في المعركة الدائرة عالمياً، وبالتالي هناك تركيز من الولايات المتحدة على حل هذا الملف وتمكين #إسرائيل من انتاج الغاز في حقل كاريش لتصديره إلى أوروبا بديلاً من الغاز الروسي.




تندرج تهديدات الأمين العام لـ”حزب الله” حسن نصرالله بالحرب في حال منع لبنان من الاستفادة من الغاز، من هذا السياق، فهو يعرف أن هناك حاجة أميركية وأوروبية للغاز فيما تريد إسرائيل البدء بالإنتاج، لكن هذه التهديدات تتجاوز البلد وتدخل في استراتيجيات وأهداف إقليمية ورسائل إيرانية. فحديث نصرالله عن معادلة جديدة تتخطى كاريش وما بعده، استبقت زيارة الرئيس الأميركي جو بايدن إلى الرياض وانعقاد القمة الخليجية – العربية، وذلك على الرغم من أن المشهد الإقليمي والدولي لا يعكس أجواء حرب في المنطقة، ذلك أن بايدن ترك نافذة مفتوحة للجواب الإيراني على ما وصلت إليه المفاوضات حول الاتفاق النووي، بما يعني استبعاد الحرب أو أي ضربات لإيران قد تشعل المنطقة والعالم.

ترك النوافذ مفتوحة خلال زيارة بايدن إلى المنطقة، يعني أن هناك سعياً لاستمرار البحث للتوصل الى اتفاق، لكن في حال انسداد التفاوض غير المباشر قد تذهب المنطقة الى تصعيد وحروب، وهو أمر تلقفه نصرالله فصعّد في الترسيم وانتقل إلى الهجوم، فملف الغاز وترسيم الحدود مع إسرائيل هو الأكثر قابلية للتفجير في المنطقة وهو لا يزال الرابط الوحيد للاهتمام الدولي بلبنان. هذه المرة يبدو وضع الحدود مفتوح على كل الاحتمالات، ففي حال أصرت إسرائيل على انتاج الغاز من دون اكتراث للموقف اللبناني قد نذهب الى مواجهة أو حرب كبرى.
وعلى رغم أن الأميركيين يعملون على تأسيس تحالفات إقليمية لمواجهة إيران، تحسباً للإنسدادات في أفق المفاوضات، فيما تعمل إيران على تحصين مواقعها في المنطقة، لم تقفل مفاوضات النووي، بما يعني ترك مساحة للتواصل، من دون أن يعني ذلك عدم استخدام أوراق القوة لتحسين الشروط عند الوصول إلى صفقات إن كانت تتعلق بالنووي أو بتوزيع مواقع النفوذ في المنطقة. ويأتي تصعيد نصرالله حول الغاز اللبناني في هذا السياق، إذ يبدو أنه من لوازم المعركة وإن كانت عناوينها لبنانية أي حق لبنان في استخراج الغاز من حقل قانا والتوصل الى اتفاق حول ترسيم الحدود. لكن لكل تصعيد غاية محددة ووظيفة، وقد يكون الهدف تسريع المفاوضات أو الدفع نحو تحقيق أهداف معينة داخلية أو إقليمية، وهذا يعني “حزب الله” تحديداً في المجال اللبناني.

تهديد نصرالله بإشعال الحرب والذي يحمل عناوين لبنانية، يحمل وجهين، أولهما التعجيل لإيجاد حل للترسيم، وثانيهما قلب الطاولة في المنطقة بالحرب، وهو يتعلق بوضع إيران واستهدافاتها إذا فشلت نهائياً مفاوضات النووي. لكن الأمين العام لـ”حزب الله” استبق المفاوضات غير المباشرة التي يتولاها الوسيط الأميركي آموس هوكشتاين، وأعلن أنه المقرر لبنانياً في الحرب والسلم في غياب الدولة، إنما تهديده بمنع إسرائيل من استخراج النفط من كاريش قبل استفادة لبنان من ثروته يدخل في إطار السعي إلى اتفاق، وهو ما يترك أيضاً نافذة مفتوحة على الحل، علماً أن الاجواء الأميركية تشير إلى إيجابيات حققها هوكشتاين بقرب التوصل الى اتفاق، وهنا يأتي التهديد في هذا السياق بمحاولة نسب أي تقدم في المفاوضات إلى قوة “حزب الله” ومرجعيته وتحقيقه انجازات واعترافاً بقوته لبنانياً ليستثمر ذلك في الاستحقاقات المقبلة خصوصاً الرئاسة.

سيكون من الصعب تجاوز “حزب الله” لبنانياً في حال حقق ما يصبو إليه، خصوصاً إذا جرى التوصل الى اتفاق حول الترسيم في أيلول المقبل، فهو يستند الى معادلة أن الأميركيين لا يريدون حرباً في المنطقة، وبالتالي هم محكومون بالضغط للوصول الى حل. وحتى الآن لا يبدو أن الموقف الرسمي اللبناني قادر على الانفصال عن الحزب، وبذلك يصبح لتصعيد نصرالله وظيفة الإمساك بكل الملفات لبنانياً وتعزيز وضعه داخلياً وتكريس دوره في حسم الاستحقاقات المقبلة التي تمر عبره كميزان قوة وسيطرة في البلد. وفي حال نجح بفرض معادلته، بغض النظر عن استهدافات تسعى إليها قوى معارضة له، فإنه سيتمكن من خلال ملف الترسيم تكريس القاعدة التي جاءت بميشال عون رئيساً للجمهورية في 2016، وان كانت الظروف العربية والدولية مختلفة، وفي أقل احتمال أنه قادر على المجيء برئيس يشبه ميشال عون أو الضغط لفتح القضية اللبنانية على احتمالات جديدة.

في المقابل تسعى واشنطن إلى جعل تصعيد “حزب الله” غير ذات معنى، بتشديدها على التقدم في المفاوضات حول ترسيم الحدود، فيما بيان قمة الرياض كان واضحاً بضرورة استعادة الشرعية اللبنانية لسيطرتها على الأراضي اللبنانية، لكن الموقف الإسرائيلي لا يزال متشدداً حول الترسيم، وهو ما يفترض أن يوضحه الوسيط الاميركي الذي يستأنف وساطته بالعودة إلى إسرائيل بعد زيارة بايدن، من دون أن يحدد موعداً للبنانيين الذين ينتظرون الرد على موقفهم الرسمي من الترسيم.

تصعيد نصرالله والمهل التي أعطاها لها وظيفة واضحة في حالتي الحرب أو الوصول الى الاتفاق. قدم حزبه كمقرر وله أجندات محددة محلياً وإقليمياً، وفي كل الأحوال يبدو الحزب مستفيداً بنسب أي انجاز له حتى لو لم يتم التوصل إلى اتفاق ولم تحدث الحرب، أو إذا سٌمح للبنان بالتفاوض مجدداً مع شركات التنقيب. وفي المحصلة أنه في ظل مشهد إقليمي لا اكتراث للدول بلبنان، يذهب نصرالله إلى المعركة الإقليمية من دون اعتبار للتسوية الوضع الداخلية، وهو يعرض البلد لأخطار كبرى.