هل يستمرّ “تخبيص” “رؤساء” لبنان في معركة الترسيم البحري؟

سركيس نعوم – النهار

السيد حسن #نصرالله الأمين العام لـ”حزب الله” ليس معروفاً بالمراوغة سواء في اجتماعاته الحزبية أو في لقاءاته مع الشخصيات السياسية ال#لبنانية الحديثة له أو في أثناء مخاطبته الجمهور الشيعي الذي يكنّ له المحبة الجازمة والثقة التامة والوفاء والتقدير في أثناء مخاطبته إسرائيل ومن ورائها بل معها أميركا وحلفاؤها من العرب خليجيين كانوا أو غير خليجيين. لكنه في ظهوره التلفزيوني ما قبل الأخير على الأرجح بدا صريحاً وصادقاً وفي الوقت نفسه مدركاً حاجة بلاده لبنان الى إقفال ملف ثروته البحرية من غاز ونفط على نحو يسمح له بالإفادة من مردودها المالي البالغ الضخامة وإن بعد سبع أو تسع سنوات من الحفر والتنقيب ثم الاستخراج فالبيع. ذلك أن شعوب لبنان ومنها شعبه صار أبناؤها فقراء جداً ومنهم من صار تحت عتبة الفقر. كما أن دولته انهارت مؤسساتياً واقتصادياً ومالياً ونقدياً، وصارت قاب قوسين أو أدنى من الفوضى الشاملة المنظّمة وغير المنظّمة وربما على عتبة حروب أو بالأحرى معارك داخلية لن ينجو منها أحد. عندما لاحظ بعد متابعته تصرفات أهل الداخل اللبناني ومراوغة المسؤولين الإسرائيليين وعدم إقدام الأميركيين على ممارسة نفوذهم الثابت والمؤكد على حليفتهم الأولى في المنطقة إسرائيل من أجل إنهاء ملف التفاوض غير المباشر مع لبنان حول #ترسيم الحدود البحرية معه، وعندما لاحظ أيضاً أن الدولة اللبنانية التي أكد أكثر من مرة أنه يقف خلفها في هذا الموضوع ويتبنى الموقف الذي تتخذه منه وتالياً القرار، عندما لاحظ كل ذلك أوضح موقفه وبصراحة متناهية في آخر ظهور تلفزيوني له موجهاً كلامه وتهديداته مباشرة الى إسرائيل ومعها العالم المهتم بإيجاد بديل من النفط الروسي في هذه المرحلة جازماً بأن لا نفط وغاز سيُستخرجان من المياه اللبنانية والإسرائيلية وحتى من حوض البحر المتوسط إن لم ينل لبنان حقه.




طبعاً لا يزال اللبنانيون يأملون عودة الموفد الأميركي العامل على حل عقد ترسيم الحدود بين بلادهم وإسرائيل آموس #هوكشتاين في سرعة الى لبنان بعد محادثات أجراها في إسرائيل من جرّاء كونه عضواً في وفد رئيس بلاده بايدن الى إسرائيل. لكن لا شيء يؤكد حصول ذلك حتى الآن. لعل ما يثير السيد نصرالله واللبنانيين عموماً رغم اختلافاتهم بل حروبهم السياسية حتى الآن هو مغمغة المسؤولين الإسرائيليين وهم مشهورون بها ومغمغة المسؤولين اللبنانيين وهم مشهورون بها أيضاً، ولكن لسبب مختلف هو ضعفهم وتفرّقهم شيعاً ومذاهب. فمسؤولوهم لا يعرفون أصول التفاوض العلمي، والمسؤولون الإسرائيليون خبراء وأقوياء في التفاوض المستند الى القوة العسكرية والى الجسع والطموح والطمع في ثروات الغير والى استغلال خلافات جيرانهم الأعداء حول القضايا الوطنية وطمعهم الذي لا تحدّ منه على الإطلاق القوانين والشعور الوطني، ولا سيما بعدما صار لبنان أو قارب أن يصير مكسر عصا للأعداء من جيرانهم وللأشقاء في منطقته سواء في الدين أو في المذهب.

هل ترمي هذه المقدمة الى نعي الترسيم والمفاوضات “الواعدة” وربما المفخخة التي أُجريت حتى الآن مع إسرائيل بواسطة مسؤول أميركي حاصل على جنسيتها وخدم في جيشها؟ طبعاً لا، إذ إن الهدف منها هو حض شعوب لبنان وقادتها على التماسك وخصوصاً في هذا الملف لأن تعمّد استمرار الخلاف والفرقة سيجعلهم يدفعون كلهم الثمن دماراً شاملاً لبلادهم الجميلة شكلاً والمفخخة بكل أنواع “الملوثات القاتلة” بعدما دفعوا منذ استقلال دولتهم ولا سيما بعد 1975 وحدتهم الوطنية ووحدة دولتهم ومؤسساته ثمناً للطمع وللجشع ولإعطاء الأولوية في الانتماء الى العشيرة والطائفة والمذهب والدين والإقطاعيين. هل يفعلون ذلك؟

الطريقة التي يعالجون بها #تأليف الحكومة المتعثّر وإصلاح الأوضاع الاقتصادية والمالية والنقدية التي أفقرت الناس غير المقنع حتى الآن للأقطاب والزعماء والقادة، هذه الطريقة لا توحي بالخير ولا بالأمل. فكل منهم يحاول أن يرمي مسؤولية التعثّر على الآخرين، علماً بأن التفاهم صار ضرورياً ولا سيما بعدما عادت إثارة ضرورة التزام لبنان خط الترسيم 29 بدلاً من خط 23 الذي التزمه ومن زمان “رؤساء” الدول الثلاث في البلاد. لعل أبرز دليل على ذلك ما حصل أخيراً بعد اقتراح البعض على حكومة تصريف الأعمال الاجتماع في مجلس وزراء وتقرير العودة عن الـ23 والتمسّك بالـ29. لكن رئيسها نجيب ميقاتي رفض ذلك لأسباب عدة، الرسمي منها كان أن حكومته مستقيلة وتصرّف الأعمال في أضيق نطاق ممكن. وكان أيضاً أن رئيس الجمهورية ميشال عون لا يزال في موقعه وبكامل صلاحياته ويستطيع تبعاً لذلك توقيع مرسوم اعتماد الـ29 وتوقيع كتاب يطلب بموجبه من الأمم المتحدة تعديل مضمون الكتاب الرقم 6433 الذي كان قد أُرسل الى الأمم المتحدة قبل سنوات، بحيث يصبح الخط 29 هو بدء الحدود البحرية مع إسرائيل. وكان أخيراً أن الرئيس عون يستطيع أن يرسل كتاباً الى مجلس النواب المنتخب حديثاً يطلب منه فيه اتخاذ موقف رسمي بهذا المعنى فيُلزم الحكومة المصرّفة للأعمال بإعداد كتاب للأمم المتحدة بهذا المعنى، ويوقّع عليه الرئيس عون والرئيس ميقاتي والوزراء المعنيون. إلا أن السؤال الذي يُطرح هنا هو: هل يؤيّد “حزب الله” صاحب القوة العسكرية “المواجهة” مع إسرائيل حمايةً لثروات بلاده خطوة كهذه أم لا؟الجواب لا يعرفه أحد لكن يُستبعد بعد “التخبيص” في الأداء الحكومي والرئاسي والمغمغة غير الموحية بالثقة لـ”الرؤساء” حيال موضوع الترسيم أن يبادر “حزب الله” الى تغيير موقفه الثابت حتى الآن، وهو أن القرار في هذا الموضوع هو للدولة وهو يقف خلفها. لكنه في قضايا أخرى أكثر أهمية أو أقل أهمية لم يقف خلفها بل كانت له مواقفه المشكّكة في أدائها أو إدارة رؤساء لها والرافضة قرارات لها والمنفّذة أموراً يفرضها عليها البعض من هؤلاء؟