الخوف من شتاءٍ قاسٍ يتسبب في انهيار العملة الأوروبية.. ماذا يعني تساوي اليورو والدولار الأمريكي؟

مرَّ عقدان من الزمن منذ آخر مرة جرى فيها تداول اليورو عند مستوى أقل من دولار أمريكي واحد. والآن، أصبحت العملة الأوروبية الموحدة مجدداً تساوي دولاراً أو أقل. وهنالك مجموعة من الأسباب وراء ذلك، ولو أنَّ الدافع الأساسي وراء الانخفاض الكبير في العملة كان الخوف من مواجهة أوروبا لأزمة طاقة الشتاء المقبل.

أزمة الطاقة تتسبب بتراجع اليورو أمام الدولار

وفقاً لصحيفة The Washington Post الأمريكية، تحرك الاتحاد الأوروبي المؤلف من 27 عضواً لفطم نفسه عن النفط الروسي كجزء من حملة الضغط على روسيا، في حين قلَّصت روسيا تدفقات الغاز بصورة حادة. وأدَّى ذلك إلى رفع التكاليف على الأوروبيين الذين كانوا يترنَّحون بالفعل جرَّاء الجائحة.




إذ جرى إغلاق خط “نوردستريم 1″، الذي ينقل الغاز من روسيا، يوم الاثنين 11 يوليو/تموز، بسبب الصيانة السنوية، التي من المقرر أن تستمر 10 أيام. وتنتشر تكهنات بأنَّ الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، قد يطيل قطع الغاز ثأراً من العقوبات المفروضة من الغرب على الكرملين بعد غزو أوكرانيا في فبراير/شباط الماضي.

وإذا ما حدث ذلك، ستتزايد أخطار حدوث ركود خلال الأشهر المقبلة. وتعتمد بعض الدول الأعضاء الأكبر في الاتحاد الأوروبي –مثل ألمانيا وإيطاليا- بصورة كبيرة على الغاز الروسي، وعلى الرغم من الجهود لتخزين الطاقة وإيجاد موردين بدلاء، يفترض تجار العملات الأسوأ. فمعنويات الأعمال في ألمانيا حالياً أقل مما كانت عليه عند بداية الجائحة، ومن المستبعد أن يسهم تراجع اليورو، الذي من شأنه زيادة تكلفة الطاقة المستوردة، في تحسين في ذلك.

ويعتقد المحللون في بنك “نومورا” الياباني أنَّ اليورو قد يواصل التراجع على مدار الأشهر المقبلة. وقال البنك: “إذا لم يستأنف خط نوردستريم 1 العمليات، نعتقد أنَّ هناك احتمالية متزايدة لبلوغ اليورو سعر 0.90 دولار خلال الشتاء”.

قوة الدولار تُخضع اليورو 

لكنَّ الأمر لا يتعلق بضعف اليورو وحسب، بل يتعلَّق أيضاً بقوة الدولار. إذ يتدفق المستثمرون عادةً إلى العملة الأمريكية في أوقات عدم اليقين، وهناك الكثير من الأسباب –الحرب والتضخم واحتمالات فرض إجراءات جديدة في الصين لمحاربة متغير أوميكرون من فيروس كوفيد-19- ليشعروا بقلق شديد.

تدفع العوامل الاقتصادية أيضاً باتجاه ارتفاع الدولار. إذ قطعت الولايات المتحدة شوطاً أكبر نحو تحقيق التعافي الاقتصادي بعد تخفيف قيود كوفيد-19 مقارنةً بمنطقة اليورو، فضلاً عن أنَّ البنك المركزي الأمريكي، المعروف باسم “بنك الاحتياطي الفيدرالي”، كان أسرع في البدء برفع أسعار الفائدة، رداً على ارتفاع التضخم.

فوفقاً لصحيفة The Washington Post، رفع بنك الاحتياطي الفيدرالي أسعار الفائدة بقوة، ما دفع العائدات على أذونات الخزانة الأمريكية إلى الارتفاع وجعل العملة الخضراء أكثر جاذبية للمستثمرين من اليورو. فرفع البنك أسعار الفائدة ثلاث مرات في عام 2022، وأشار إلى أنَّ هناك أربع زيادات أخرى مُخطَّط لها كجزء من استراتيجية البنك للسيطرة على التضخم.

ورفع البنك في اجتماعه الأخير تكاليف الاقتراض بمقدار 0.75 نقطة مئوية لتصل إلى ما بين 1.5% و1.75%. ولم يبدأ البنك المركزي الأوروبي بعد في رفع تكاليف الاقتراض لديه –تحت الصفر حالياً- لكنَّه أشار إلى أنَّ أول زيادة في سعر الفائدة منذ عقد من الزمن ستأتي في وقتٍ لاحق هذا الشهر، يوليو/تموز.

وبحسب الصحيفة، من المتوقع أن يرفع البنك المركزي الأوروبي أسعار الفائدة ليعيد التضخم إلى هدف 2%، لكن بوتيرة أبطأ مما هو الحال في الولايات المتحدة: يرتب البنك لزيادة بنسبة 0.25% في أسعار الفائدة في يوليو/تموز، في حين يُعتَقَد، على نطاق واسع، أنَّ بنك الاحتياطي الفيدرالي سيرفعها بنسبة 0.75% مثلما فعل في يونيو/حزيران الماضي.

وتضيف الصحيفة أنَّ الدولار يُعتَبَر ملاذاً آمناً، وقد اكتسب قوة في ظل محاولة المستثمرين المناورة في ساحة اقتصادية تتسم بعدم اليقين في أوروبا وغيرها. فكتب جو بروسولاس، كبير الاقتصاديين بشركة RSM، في أواخر أبريل/نيسان الماضي حين حقق الدولار مكاسب: “نتوقع أن يواصل الدولار الاستفادة من وضعيته، كملاذ آمن للمستثمرين الدوليين والمصالح التجارية، خصوصاً بالنظر إلى الوضع الأكثر خطورة للاقتصاد الأوروبي”.

من جهتها، تقول صحيفة The Guardian البريطانية، إن هذا المزيج بين النمو الأقوى وأسعار الفائدة الأعلى يجعل الدولار جذاباً.

قال جوناس غولترمان، وهو محلل أسواق أول لدى شركة Capital Economics، إنَّ البيانات الاقتصادية الأمريكية القوية واستمرار الحديث المتشدد من جانب بنك الاحتياطي الفيدرالي، تعزز التباين المتزايد بين التوقعات القاتمة أكثر فأكثر في أوروبا والاقتصاد الأمريكي الأكثر مرونة.

ما الذي يعنيه التساوي بالنسبة لليورو؟

على الرغم من المخاوف، وصف بعض المحللين التساوي بين اليورو والدولار بأنَّه حدث مهم “نفسياً”، ولن يكون بالضرورة نقطة تحول للعملة، التي كانت بالفعل بعيدة عن أوجها الذي بلغته عام 2008 بمستوى 1.60 دولار.

مع ذلك، قال أليكس كوبتسيكيفيتش، محلل أسواق أول لدى شركة FxPro لتداول العملات الأجنبية للغارديان: “يجدر بنا توقُّع أنَّ أوروبا لن تفلت بعد ذلك بضمانات السوق الرخوة والإجراءات المتواضعة، لذا فإنَّ الضغط على العملة الموحدة قد يستمر على مدى المستقبل المنظور”.

وأشار إلى أنَّ البنوك المركزية وصانعي السياسات في القارة “سيضطرون للتجاوب” مع مخاوف انخفاض قيمة العملة.

ووفقاً لتحليل من وحدة الأبحاث التابعة لبنك دويتشه بنك: “من الواضح أنَّ التأثير النفسي مهم، وسيركز المستثمرون جداً” على السوق، وأضافت أنَّها لا تتوقع “حجم مخاطر غير معتاد” نتيجة التساوي.

ما الذي يعنيه ذلك للشركات والمستهلكين؟

يمكن للتغيُّر في العملات العالمية أن يكون له تأثير عميق على الشركات التي تبيع منتجاتها للخارج أو تعتمد على المواد الخام الأجنبية لصنعها. ويمكن أيضاً أن تلعب دوراً في أسعار السلع، مثل الحبوب، التي لها صلة مباشرة بالمستهلكين.

وقد تجد الشركات الأوروبية التي تبيع بضاعتها للخارج أنَّ ضعف العملة يجعل صادراتها أكثر جاذبية، لأنَّ عملة المشتري ستصبح في المقابل أكثر قيمة.

لكنَّ أي ارتفاع في الصادرات يمكن أن يقابله ارتفاع للتضخم في البلدان الـ19 التي تستخدم اليورو، ما يعني أنَّ أي بضائع أو مواد خام مستوردة ستصبح أغلى. يمكن لتغيُّر سعر الصرف أن يُوجِد رابحين وخاسرين، اعتماداً على مزيج الصادرات والواردات.

ويفسر بعض الخبراء ضعف العملة باعتباره علامة على تباطؤ النمو الاقتصادي في أوروبا. فقال روبن بروكس، كبير الاقتصاديين في معهد التمويل الدولي، في تغريدة: “يصبح واضحاً بشكل متزايد أنَّ منطقة اليورو متجهة إلى ركود، حتى مع تشديد الأوضاع المالية أكثر مما في الولايات المتحدة أو اليابان”.

وفي الولايات المتحدة، يطرح الدولار القوي مجموعة مختلفة من المشكلات والفرص. إذ يمكن أن يضر بالصادرات الأمريكية للخارج، لأنَّ القوة الشرائية للمشترين الأجانب تضعف. وكتب جون لينش، كبير مسؤولي الاستثمار في إدارة الثروات في شركة Comerica، في ملاحظة، إنَّه سيؤثر أيضاً على عملية تقويم العملة لأرباح الشركات الأمريكية متعددة الجنسيات العائدة إلى البلاد.

وقال جاي هاتفيلد، الرئيس التنفيذي في شركة Infrastructure Capital Management، إنَّ  سلعاً مثل الحبوب والمعادن الصناعية أصبحت أغلى مؤخراً، لكنَّ الدولار القوي قد يساعد في احتواء الأسعار.

وقال هاتفيلد أمس، الثلاثاء 12 يوليو/تموز، في مذكرة: “يدفع الدولار القوي أسعار السلع العالمية إلى الانخفاض، لأنَّ معظم السلع مُسعَّرة بالدولار. نتوقع أن يبدأ التضخم بالانخفاض بصورة كبيرة في الخريف، حين تنعكس أسعار السلع في مؤشرات الأسعار”.

ما الذي يعنيه تساوي اليورو مع الدولار بالنسبة للمسافرين؟

سيصبح السفر إلى الخارج والإنفاق بالدولار الأمريكي أكثر تكلفة بالنسبة للأوروبيين والأشخاص الذين يحصلون على رواتبهم باليورو.

وبالنسبة للأمريكيين الذين ينظرون إلى أوروبا باعتبارها وجهة سياحية رائجة، يعني سعر صرف 1 مقابل 1 تقريباً أنَّهم لن يقضوا وقتاً أسهل في فك شيفرة أسعار الصرف وحسب، بل أيضاً قدرة شرائية أكبر حين يزورون وجهات سياحية في منطقة اليورو، مثل فرنسا وألمانيا وإسبانيا وإيطاليا واليونان.

ويمكن أن تفيد ديناميات العملة الأمريكيين الذين يسافرون إلى خارج منطقة اليورو أيضاً. فالدولار الأمريكي ارتفع كذلك مقابل البيزو المكسيكي، والدولارين الكندي والأسترالي، والوون الكوري الجنوبي على مدار الشهر الماضي.