“أنا بحاجة لدعمكم”.. صرخة جيسيكا تختصر ألم مرضى السرطان في لبنان

أسرار شبارو – الحرة

“آسفة أني في بلد لا يمكنني تلقي العلاج فيه، أنا بحاجة لدعمكم ووقوفكم إلى جانبي ومساعدتي”، بهذه الكلمات عبّرت جيسيكا حبشي من خلال مقطع مصوّر عن معاناتها وجميع اللبنانيين الذين يعجزون عن الاستشفاء في وطنهم.




في شهر ديسمبر الماضي، تم تشخيص جيسيكا بإصابتها بمرض سرطان الدم، لتبدأ رحلة علاج معبّدة بعقبة ارتفاع الفاتورة الاستشفائية وعجز الحكومة عن القيام بدورها، وبعدما وصلت إلى مرحلة يتطلب فيها علاجها مبلغا خياليا، انطلقت حملة على وسائل التواصل الاجتماعي لمساعدتها على تأمينه وإكمال معركتها مع أخطر الأمراض.

قبل الأزمة الاقتصادية التي عصفت بلبنان عام 2019، كان عدد كبير من المرضى يعجزون عن دخول المستشفيات لعدم قدرتهم على دفع الفاتورة المترتبة على علاجهم، ومع الانهيار الذي تشهدها البلاد تفاقمت الأزمة وأصبح الاستشفاء حكراً على الأغنياء فقط.

وكانت منظمة العفو الدولية اعتبرت، في شهر ديسمبر الماضي، أن “السلطات اللبنانية تتقاعس عن حماية الحق في الصحة والحياة للمواطنين، في خضم أزمة مستمرة جعلت المرضى غير قادرين على تحمل تكاليف الأدوية الأساسية، أو الحصول عليها”.

وقالت المنظمة: “رغم أن الحكومة كانت تدرك ضرورة رفع الدعم، فهي تقاعست عن وضع خطة حماية اجتماعية لضمان استمرار توفر الأدوية الأساسية”.

تم تشخيص إصابتها بمرض سرطان الدم قبل اشهرز

وكانت الأمم المتحدة حذرت، في سبتمبر الماضي، من أن 33 بالمئة من الأسر في لبنان أصبحت محرومة من الرعاية الصحية، كما ارتفعت نسبة الأسر غير القادرة على الحصول على الدواء إلى أكثر من النصف.

سباق مع الزمن

لم تستثن الأزمة الاقتصادية أياً من القطاعات، بما فيها قطاع الاستشفاء والدواء، حيث سبق أن أشار مجلس إدارة نقابة أصحاب المستشفيات في لبنان، إلى أن “وضع الأمن الصحي في دائرة الخطر الكبير، لا سيما مع توالي مسلسل إقفال المستشفيات بشكل نهائي بعد إقفال بعض الأقسام فيها، رغم التحذيرات التي أطلقتها النقابة منبهة من الوصول إليه، في ضوء عدم معالجة الأمور بشكل فعال”.

وانقلبت حياة جيسيكا رأساً على عقب بعد اكتشاف إصابتها بالمرض، هي التي كانت تشع أملاً وطموحاً، رسمت في مخيلتها مستقبلاً واعداً وبدأت خطواتها نحو تحقيقه، افتتحت محل تجميل في مدينة جبيل، وإذ يفرض عليها طريق آخر منهك ومؤلم.

دخلت ابنة الـ23 عاما في مرحلة حرجة ودقيقة في مواجهة المرض، وبحسب ما شرحه شقيقها، إيلي، لموقع “الحرة”: “بعد أشهر من تلقيها العلاج في مستشفى المعونات جبيل كشفت الفحوصات الطبية أن الخلايا السرطانية تكاثرت في جسدها بصورة كبيرة، لتنتقل إلى مستشفى الجامعة الأميركية في بيروت، حيث ظهر أن نسبة الخلايا السرطانية في جسدها وصلت إلى 80 في المئة بعدما كانت مع بداية مرضها 5 في المئة”.

أطلع الطبيب، المتابع لحالة جيسيكا، عائلتها عن حاجتها إلى دواء غير متوفر في لبنان، ثمنه 26 ألف دولار، وهو تمهيدي كما قال إيلي “قبل خضوعها لعملية زرع نخاع شوكي، وبعد إطلاق حملة لمساعدتها، تم جلب الدواء من تركيا، كما تم تأمين مبلغ 30 ألف دولار كلفة علاجها في المستشفى، لتبقى بحاجة إلى مبلغ العملية الذي يتراوح بين 70 ألف إلى 90 ألف دولار”.

وفي حديث مع موقع “الحرة”، أكدت جيسيكا، من على سرير مستشفى الجامعة الأميركية في بيروت، أنها “تسعى إلى تأمين تكلفة العملية الجراحية التي تحتاجها”، متمنية من جميع من يمكنهم المساعدة القيام بذلك تجاه كل مرضى السرطان كون “دولتنا لا تبالي بنا”.

سبق أن شدد وزير الصحة في حكومة تصريف الأعمال، الدكتور فراس أبيض، على أن القطاع الصحي “عانى الأمرّين ولا يزال يعاني في خضم أزمة اقتصادية خانقة ووباء عالمي لا يزال يتجدد على مدى العامين الماضيين، وأزمة عسكرية دولية أرخت بظلالها على أمن الغذاء والطاقة في العالم أجمع”.

وأضاف “أدت هذه الأزمة إلى تراجع كبير في التغطية الصحية في لبنان، مما جعل غالبية الأعباء تقع على عاتق المواطن”، ولفت إلى أن “الأرقام تشير إلى أن ما يدفعه المواطن من جيبه، وبعد أن كان لا يتعدى 30 بالمئة من كلفة العلاج قبل الأزمة، قد أصبح اليوم يعادل حوالي 85 بالمئة من كلفة العلاج، وهذا رقم لا يستطيع أي مجتمع أن يتحمله، وأصبح الاستشفاء بعيداً عن متناول الكثيرين، إن كان عملية بسيطة أو علاجاً قصير الأمد”.

“العشرات لا بل حتى المئات من مرضى سرطان الدم في لبنان يواجهون ذات حالة جيسيكا، حيث يعجزون عن الخضوع إلى عملية زرع نخاع شوكي بسبب ارتفاع تكلفتها وعدم توفر الامكانات المادية لديهم”، بحسب ما أكده رئيس جمعية بربارة نصار لدعم مرضى السرطان، هاني نصار.

بحاجة لعملية زرع نخاع شوكي

نصار شرح لموقع “الحرة” أنه “قبل الأزمة الاقتصادية لم تكن وزارة الصحة أو أي جهة ضامنة تغطي كامل تكاليف العملية التي يقتصر إجراؤها على أربعة مستشفيات، الجامعة الأميركية والشرق الأوسط وجبل لبنان والمقاصد، فكيف الآن مع وصول سعر صرف الدولار إلى رقم خيالي، واستمرار تغطية وزارة الصحة للمرضى على سعر الصرف الرسمي”.

معاناة متعددة الأوجه

سجل لبنان 28,764 ألف إصابة بمرض السرطان خلال السنوات الخمس الأخيرة، بينهم 11600 حالة عام 2020، بحسب تقرير نشره “المرصد العالمي للسرطان” المنبثق عن منظمة الصحة العالمية، في مارس من عام 2021.

وكانت “الوكالة الدولية لأبحاث السرطان”، التابعة لمنظمة الصحة العالمية، أشارت، سنة 2018، إلى أن لبنان احتل المرتبة الأولى بين دول غربي آسيا، بعدد الإصابات قياساً بعدد السكان، وأن هناك 242 مصابا بالسرطان، بين كل 100 ألف لبناني.

على الرغم من المناشدات المتكررة التي أطلقتها عائلة حبشي، والحملة على مواقع التواصل الاجتماعي، إلا أن أحداً من المسؤولين لم يبادر إلى المساعدة، وقال إيلي: “طرقنا باب وزارة الصحة، فكان الجواب أن لا إمكانية لديها لتغطية مبلغ كهذا، مع العلم أننا كعائلة دفعنا كل ما في حوزتنا منذ بداية رحلة علاج شقيقتي”.

لا تقتصر معاناة مريض السرطان في لبنان على تأمين فاتورته الاستشفائية وبدل الفحوص الدورية التي يفرض عليه إجراؤها لمتابعة حالته، بل كذلك في العثور على دوائه بعد فقدان عدد كبير من الأدوية من السوق، عدا عن ثمنها الباهظ.

قبل أيام، كشف عضو كتلة “اللقاء الديمقراطي”، النائب وائل أبو فاعور، عن خطة لوزير الصحة تضع حداً لمعاناة مرضى السرطان، مشيراً إلى أنه “نتيجة لاقتراحات اللقاء الديمقراطي، وبعد اجتماعين عقدناهما، رئيس لجنة الصحة النيابية الرفيق بلال عبدلله وأنا، مع دولة الرئيس نجيب ميقاتي ووزير الصحة الدكتور فراس أبيض، فقد أعد الوزير أبيض اقتراحا فاعلا وعمليا أنا واثق أنه سيضع حدا لمعاناة مرضى السرطان والأمراض المستعصية الأخرى”.

يؤمّن الاقتراح، كما جاء في بيان أبو فاعور، “وصول الدواء إلى المريض مباشرة ويعفي الدولة والمريض من كل صنوف الاستغلال والتهريب والتجارة”، وترك لوزير الصحة “إعلان خطته بعد إتمام تفاصيلها ومستلزماتها”.

تتكرر مناشدة اللبنانيين لتأمين ثمن العلاج والأدوية لهم أو لأفراد عائلاتهم عبر وسائل التواصل الاجتماعي، وبات عدد كبير منهم يعتمدون على أقربائهم وأصدقائهم في الخارج لتأمين أدويتهم.

قبل أيام تفاعل، رواد مواقع التواصل الاجتماعي مع مقطع فيديو نشرته مواطنة لبنانية تدعى نوال، كشفت خلاله عن معاناة والدتها ميراي أسمر مع مرض السرطان، وحاجتها إلى دواء غير متوفر في بلدها، في حين أن ثمنه في تركيا 800 دولار، موضحة أن ظروف العائلة المادية لا تسمح لها بشرائه لعلاج والدتها.

وأشارت نوال إلى تواصلها مع عدد من السياسيين على أمل حصولها على مساعدة، من دون أن تلقى آذانا صاغية من أحد منهم، لتعود وتنشر مقطع فيديو ثان أكدت خلاله تأمين جرعة دواء من قبل الجالية اللبنانية في العراق، لكنها شددت على حاجة والدتها إلى جرعتين في الشهر خلال رحلة علاجها.

تطرق نصار إلى أزمة أدوية السرطان والأمراض المستعصية، مشدداً على أن المعاناة مستمرة “ما زالت المبالغ التي ترصد لشراء الأدوية السرطانية غير كافية، قبل عيد الأضحى التقينا وزير الصحة الذي وعدنا بزيادة المبلغ بقرار حكومي وها نحن ننتظر التنفيذ، مع العلم أن بعض الأدوية يستغرق إنجاز معاملات استيرادها ووصولها إلى لبنان بين ثلاثة أسابيع إلى ثلاثة أشهر، هذا لا ينفي أن بعضها تم تأمينها لكن بكميات قليلة لا تكفي جميع المرضى”.

سبق أن نظمت جمعية بربرا نصار عدة اعتصامات لمرضى السرطان لتسليط الضوء على معاناتهم ولحث المسؤولين على معالجة الأزمة التي تطالهم، لاسيما وأن الأمر يتعلق بمسألة حياة أو موت المريض، عن ذلك علّق نصار بالقول: “تمكنّا من إيصال صوتنا، وجعل القضية محط متابعة”.

لا يقتصر الأمر على ذلك، كما يقول نصار، حيث “اتخذت الجمعية خطوة التعاون مع وزارة الصحة لدراسة وضع كل دواء على حدة، فعلى سبيل المثال هناك أدوية تدعمها الدولة لكن الوكيل يرفض استيرادها لذلك سيتم استبدالها بنوع آخر، ما سيساهم في المدى القريب بتأمين الأدوية وخفض كلفة العلاج في المستشفيات”.

رغم كل العقبات التي تواجه مرضى السرطان في لبنان، يبقى أمل عائلة حبشي أن تخضع ابنتها للعملية الجراحية وتنتصر على مرضها، لكي تعود إلى حياتها الطبيعية وتستكمل مشوارها في الحياة.