الضاحية كوجهة سياحية.. كيف فشلت الخطة؟

يعيد النقاش عن السياحة في ضاحية بيروت الجنوبية، تجربة كان اتحاد البلديات في الضاحية تعميمها، حين استقطب مطاعم من وكالات أجنبية، افتتحت فروعاً لها في طريق المطار ضمن نطاق بلدية الغبيري، وفي منطقة بوليفار كميل شمعون، في مسعى لتوفير ما يحتاجه سكان المنطقة، واستقدام الزوار من خارج الضاحية.

استثمر كثيرون في الضاحية في ذروة الوفرة المالية بين العامين 2006 و2010.. منهم أرمن، استفادوا من حالة الانسجام بين “حزب الله” و”التيار الوطني الحر”.. لكن جميع المستثمرين، سرعان ما اكتشفوا أن الضاحية منطقة تمتاز بكثافة سكانية، لكنها عاجزة عن استقدام “القَدَم الغريبة”. وتبين أن سكان الضاحية يخرجون منها الى مطاعم ومواقع سياحية ومراكز سهر وحدائق.. لكن المؤسسات السياحية في الداخل، أو مراكز التسوق الكبرى مثل “بيروت مول” و”قاروط مول”، لا تستقطب إلا سكان المنطقة، فيما يُحجم “الغرباء” عن ارتيادها، فيما يخرج السكان الى “سيتي سنتر”، الواقع على مسافة كيلومتر واحد من الشياح.

والضاحية، تلك البقعة الشعبية التي تتخطى كلفة إيجارات المحال التجارية فيها، كلفة نظيراتها في منطقة الحمرا مثلاً، وبعبدا وفرن الشباك، بالنظر إلى أن حجم الحركة التجارية فيها مرتفع جداً، يصعب أن تُعتبر منطقة سياحية. مَن يجول في الضاحية، سيكتشف أنها عبارة عن غابات من الاسمنت، خلت، الى حد بعيد، من الحدائق العامة.. وفيما تخلو المنطقة من “داون تاون”، تنتشر ثلاثة فنادق على أطرافها، هي “بيرل بيروت” في المشرفية، و”الساحة” في قرية الساحة التراثية على طريق المطار السريع، و”غولدن بلازا” على طريق المطار القديم.

والحال إن كل ما أُنتج في داخل الضاحية، أُعدّ لاستقطاب أبناء الطبقة الفقيرة، وذلك لحقيقة أساسية أن ابن الضاحية المتمكّن مادياً، يختار مواقع وفنادق خارجها.. أما “الخارجيون”، فلا يطأونها لأسباب مرتبطة أحياناً بسمعة “حزب الله” الأمنية والترتيبات في الداخل، أو لأسباب أمنية أخرى متصلة بإطلاق النار وصراع أبناء العشائر، وربما أحياناً محظورات المشروبات الكحولية وبث الأغاني والرقص واختلاط الجنسين، وغيرها…

اختفت المساحات العامة في الضاحية. “ملعب الراية” الذي كان يستقطب مهرجانات “حزب الله”، بات كتلة أسمنية… وذهب الحزب بعيداً، شرقي المنطقة، إلى باحات خالية في منطقة الحدت العقارية، لتنظيم الاحتفالات.. أما المراكز الأساسية مثل “مجمع سيد الشهداء”، فيكاد يقتصر دوره على إحياء ذكرى عاشوراء..

طوال تلك السنوات، منذ نهاية الحرب وحتى الآن، اختفت معالم ثقافية في الضاحية، كانت موجودة قبل الحرب، مثل سينما “السندريلا”.. ليس هناك غير مسرح “رسالات” الذي غالباً ما يعرض أفلاماً وأعمالاً مسرحية وموسيقية مرتبطة بثقافة المقاومة، وفشلت تجربة مقهى كان يستضيف قراءات شعرية.. حتى المعارض الجهادية، مثل “مليتا” في الجنوب، غير متوافرة، ولم يتواجد مثيل له حتى في المدافن التي تضم قياديين في “حزب الله” أو “حركة أمل”.

وعليه، ليست الضاحية أكثر من سوق كبير، تبيع السلع بأسعار زهيدة، وتتواجد فيها المطاعم ومحلات السندويشات، ومحال بيع المجوهرات الأرخص سعراً من خارجها.. كذلك محال بيع ملابس المحجبات، ومدينة ملاهٍ، لكنها جميعاً لا ترتقي الى مستوى أن تكون وجهة سياحية، حتى للمتدينين.. لا معالم إسلامية مكرّسة فيها، ولا ذاكرة، ولا مراكز تسلية سوى المقاهي المحلية. وإذا كانت السياحة أيضاً مرتبطة بتوافر الموسيقى والمشروبات الروحية، (وهو شرط يمكن تجاوزه إذا كانت هناك فئة تنوي القيام بسياحة دينية أو محافظة كما في العراق أو الشارقة في الإمارات).. فإن أياً من مقاهي الضاحية لا يقدم المشروبات الروحية، ويستعيض عنها السكان الراغبون في المشروب، بشرائه على مسافة أقل من كيلومتر من الحدت..

لذلك، يصبح كل حديث عن كون الضاحية وجهة سياحية، مغالاة وتعمية. فالمنطقة غير القادرة إلا على استقطاب سكانها وحدهم، ولا توفر لهم ما يبقيهم فيها، تستحق إعادة نظر من بلدياتها وأحزابها.