البنك الدولي يصنّف لبنان في الشريحة الدنيا من الدخل المتوسط… ولكن الواقع أسوأ بكثير

سلوى بعلبكي – النهار

يبدو أن الوضع الاقتصادي والمالي سيبقى على حاله من المراوحة في ظل غياب استقرار سياسي مستدام يعبّد الطريق أمام خطة اقتصادية شاملة قابلة للتنفيذ توازياً مع إصلاحات حقيقيّة على مستوى السلطات التشريعية والإجرائيّة والقضائية.




ومع فقدان سعر صرف الليرة نحو 90% من قيمته منذ تشرين الأول 2019، مع ما استتبع ذلك من ارتفاع في نسب الضخم في أسعار الاستهلاك بمستوى تراكمي ناهز الـ 700% في العامين المنصرمين، لم يكن مستغرباً التقرير الأخير للبنك الدولي الذي عدل من خلاله تصنيف لبنان إلى خانة البلدان ذات الشريحة الدنيا من الدخل المتوسط. فقد أصدر البنك الدولي التصنيف المحدّث للبلدان حول العالم بحسب مستوى الدخل بين الأعوام 2022 و2023 استناداً إلى أرقام العام 2021.

وفي التفاصيل، يحدّث البنك الدولي تصنيفه لكلّ بلد في 1 تمّوز من كلّ عام. وصنّف البنك الدولي 217 بلداً ضمن 4 فئات وفقاً للدخل القومي الإجمالي للفرد الواحد (Gross National Income per capita) مع بروز 80 بلداً ضمن خانة الدخل المرتفع، و54 في الشريحة العليا من الدخل المتوسط، و51 في الشريحة الدنيا من الدخل المتوسّط و26 في خانة الدخل المنخفض. بالنسبة للبنان، لفت التقرير إلى أن الناتج المحلي الإجمالي للفرد الواحد انكمش للمرّة الحادية عشرة على التوالي خلال العام 2021 حيث شهدت البلاد تدهوراً غير مسبوق في سعر صرف الليرة اللبنانيّة مقابل #الدولار الأميركي الواحد. وأعيد تصنيف لبنان لينضم إلى الشريحة الدنيا من الدخل المتوسط بعدما كان في الشريحة العليا من الدخل المتوسّط على فترة 25 عاماً. فماذا يعني تخفيض تصنيف لبنان، وهل هذا التصنيف واقعي؟

لا بد من الإشارة، أولاً الى أنّ معايير الدخل القومي الإجمالي التي اعتمدها البنك الدولي معنونة بالدولار الأميركي وتحدد بحسب معايير يعتمدها البنك في طريقة “أطلس” والتي تخفّف من تقلبات أسعار الصرف من خلال اعتماد عامل متوسّط متحرك لسعر الصرف على أساس المتوسّط (Moving Average) على فترة 3 سنوات.

الخبير الاقتصادي بيار خوري، اعتبر أن “تصنيف البنك الدولي لبلدان العالم حسب مستوى الدخل هو تصنيف كلاسيكي يقوم على التمييز بين القدرات الحقيقية لمتوسطات الطلب الكلي التي تسمح بتعيين متوسط دخل الفرد. هذا المتوسط قد لا يكون حقيقياً بمعنى أن كل المواطنين يتمتعون بهذا المستوى من الدخل ولا يلغي الفروقات الحادة في الدخل بين المواطنين والتي عادة ما تبرز أكثر كلما انخفضت في التصنيف. بمعنى أن التصنيف المنخفض يصاحب عادة بوجود قلة تتحكم بمداخيل وثروات كبيرة مقابل نزوع الأكثرية الساحقة نحو دخل منخفض”.

ولا يستغرب خوري أن يُخفّض تصنيف لبنان ضمن فئة الدخل المتوسط من أعلى الفئة إلى أدناها “بعد الإعصار الاقتصادي والاجتماعي الذي ضرب البلد منذ أواخر العام 2019، بل يمكن القول إن لبنان يخاطر بدخول فئة الدخل الأدنى في حال استمرار اتجاه النمو الاقتصادي الحالي المصاحب بمعدلات تضخم مرتفعة ومستمرة بشكل ثابت خلال السنوات الخمس المقبلة”.

ورأى أن “لبنان اليوم في الجزء العلوي من شريحة الدخل الأدنى المتوسط، أي نحو 2700 دولار للفرد منخفضاً من أعلى شريحة الدخل الأعلى المتوسط أي 7700 دولار قبل عام 2020 وهذا بذاته معبر جداً، إذ خسر اللبنانيون في المتوسط أكثر من 60% من دخولهم، وهذا يتوافق مع انخفاض الناتج المحلي الإجمالي من 53 مليار دولار إلى 20 ملياراً في أقل من 3 سنوات وارتفاع معدلات التضخم المتراكمة بنسب تفوق 1000% خلال الفترة عينها”.

هذا النوع من التصنيفات ورغم أهميته المقارنة بين الدول ومجموعات الدول وعبر الزمن “بيد أنه قاصر عن تفسير توزيع الدخل ضمن البلد الواحد كما أنه قاصر عن تفسير ظواهر إعادة التوزيع الحادة التي تحصل خلال الأزمات العنيفة وتؤسس لسيطرة القلة على النشاط الاقتصادي الأساسي”، وفق خوري.

بحسب البنك الدولي، فإن التغيير في التصنيف يستند إلى عاملين:

– تغيّرات في الدخل القومي الإجمالي للفرد الواحد في طريقة أطلس والتي تشمل عوامل كالنموّ الاقتصادي والتضخّم وأسعار الصرف ونموّ عدد السكّان، إضافةً إلى تعديلات لتحسين تقديرات وطرق احتساب الحسابات القوميّة والتي من شأنها أن تؤثّر على الدخل القومي الإجمالي للفرد الواحد.

– تغيّرات في شرائح التصنيف (Classification Thresholds) والتي تعدّل سنوياً مع الأخذ في الاعتبار التضخم من خلال اعتماد عامل الانكماش في حقوق السحب الخاصّة (Special Drawing Rights Deflator) وهو متوسّط مثقّل لعامل انكماش الناتج المحلّي الإجمالي للصين واليابان والمملكة المتّحدة والولايات المتّحدة ومنطقة اليورو.

من جهته يعتبر الخبير الاقتصادي باتريك مارديني أن “هذا التصنيف يعني أن لبنان أصبح من الدول الأكثر فقراً، فبعدما كان يصنف من الدول ذات الدخل المتوسط أصبح من الدول ذات الدخل المتوسط الأدنى. فمعدل الدخل يتماشى مع النمو، وتالياً تراكم النمو عبر السنوات يجعل الدول تتقدم بمستوى دخلها حسب هذا المعدل. أما في لبنان فقد حصل العكس، حيث انهار مستوى دخل الفرد بسبب عاملين: الأول الأزمة الاقتصادية غير المسبوقة التي يعيشها لبنان وغياب الاستثمارات وتوقف المؤسسات الموجودة وغياب الإنتاج، بما أدى إلى تسريح عدد كبير من العمال. ثانيها انهيار سعر صرف الليرة، وتالياً ذوبان دخل اللبنانيين وانهيار قدرتهم الشرائية، مع ما ترافق ذلك من نمو سلبي وتضخم توازياً مع انهيار سعر صرف الليرة.

لكن هذه الأرقام لا تعبّر عن الواقع. إذ برأي مارديني “الواقع في لبنان أسوأ بكثير “فسعر صرف اليوم 30 ألفاً، فيما الأرقام التي يعتمدها البنك الدولي تأخذ في الاعتبار معدل سعر صرف على 3 سنوات، الذي كان أقل بكثير من 30 ألفاً، وتالياً إذا احتسبنا دخل اللبناني على سعر صرف 30 ألفاً، فإن دخل اللبنانيين أقل بكثير مما ورد في التقرير. وهذا يعني أن الأرقام لا تعبر عن فداحة المشكلة، فسعر الصرف يدمر المستوى المعيشي للبنانيين، ويجب معالجته كأولوية مطلقة، بيد أنه للأسف كل المعالجات تركز على الأزمة المصرفية حصراً وتوزيع الخسائر، فيما تغيب معالجات أزمة الصرف والركود الاقتصادي، وتالياً السياسات المحفزة للنمو مهملة”.