الأزمة السكنية: آلاف الشقق عالقة بسبب الدولار

لا يمكن فصل زعزعة القطاع المصرفي، إن لم نقل “انهياره”، عن باقي القطاعات ذات الارتباط الوثيق إلى حد الارتباط المصيري، كقطاع العقارات. فالعقار الذي ازدهر وشكّل الملاذ الآمن للبنانيين في سنوات ما قبل الأزمة، بات اليوم يشكّل عبئاً مالياً على عارضه وطالبه على السواء.

فأزمة القطاع المصرفي وتوقف المصارف عن عمليات الإقراض السكني من جهة، واحتجازها أموال المودعين الميسورين منهم ومحدودي المداخيل من جهة أخرى، حوّل عشرات وربما مئات الشقق السكنية إلى ما يشبه “المال الوقف”، فلا سيولة مالية بين أيدي منشئيها تخوّلهم استكمال المشاريع، ولا قدرة لدى طالبي العقارات لسداد ثمن الشقق السكنية التي يطمحون إليها.

باختصار، دخل القطاع العقاري مرحلة من الإرباك المرافق لحال الركود العميق الذي أصابه. فالعلاقة التي تربط منشئي الأبنية والمصارف مع الزبائن باتت بالغة التعقيد. ويبقى الخاسر الأكبر فيها المواطن الساعي لامتلاك مسكن، والذي تراجعت القدرة الشرائية لمدخوله، ومن بعده المقاول العاجز عن استكمال إنشاء مشروعه السكني.




بين البائع والشاري
يواجه منشئو الأبنية مشاكل كثيرة مع الزبائن الذين بدورهم خسروا شققاً ومنازل باشروا تقسيط ثمنها قبل وقوع الازمة المالية عام 2019، ومنهم من خسر أمواله أيضاً. وحسب الصورة التي عرضها رئيس جمعية منشئي وتجار الأبنية، إيلي صوما، في حديث لـ”المدن”، عن العلاقة بين منشئي الأبنية والزبائن في المرحلة الراهنة، يتبيّن أن الوضع الذي يمر فيه القطاع العقاري متأزم جداً واستثنائي: “هناك الكثير من المشاريع العقارية متوقفة لعجز المقاولين عن إتمامها بسبب شح السيولة لديهم، والتي تعود لأسباب عديدة أهمها حجز المصارف لأموال المقاولين كما كافة المودعين، وتوقف المصارف عن الإقراض السكني، وطبعاً بسبب تدنّي القيمة الشرائية لليرة، وعجز أصحاب الشقق المحجوزة عن استكمال ثمنها. كل هذه العوامل تُضاف إلى دولرة أسعار كافة مستلزمات البناء، يقول صوما، هذا الواقع دفع بمنشئي الأبنية إلى اعتماد أساليب ووسائل مع الزبائن حسب كل حالة على حدة.

آلية العلاقة بين منشئي الأبنية والزبائن تختلف بين مقاول وآخر وبين مشروع وآخر، وأحياناً بين زبون وآخر، فلا آلية موحدة بين الجميع كما كان الحال قبل الأزمة، فما يقارب 18 في المئة من الزبائن على سبيل المثال استردّوا ما سبق أن سددوه من ثمن شققهم، لعجزهم عن الإستمرار في سداد المتوجب عليهم لإتمام عقود الشراء. وحتى هذا الحل حسب صوما، غالباً ما يواجه عقبة تأمين صاحب المشروع الأموال التي سبق للزبون دفعها. لذلك يلجأ أصحاب المشاريع إلى إبرام اتفاق مع الزبون الذي قرر استرداد امواله، يقضي بإرجاع الأموال بعد بيع الشقة عينها لزبون آخر.

هذه الآلية أكدها أحد أصحاب المشاريع في بيروت في حديث إلى “المدن” حين قال: عندما يكون سعر الشقة 150 الف دولار، وقد سبق للزبون سداد جزء منها، فلن يكون سهلاً استكمال ثمنها ما لم يكن لديه مدخول بالدولار الفريش، فالـ150 ألف دولار التي كانت تساوي قبل الأزمة 225 مليون ليرة، باتت تساوي اليوم نحو 4 مليارات و400 مليون ليرة اليوم (وفق سعر صرف السوق السوداء). وهو مبلغ ضخم جداً بالنسبة إلى موظف مدخوله بالليرة اللبنانية مهما كان راتبه، أو مودع يحتجز المصرف أمواله ويحدد له سقوف شهرية للسحب.

ويُضاف إلى الطلبات العالقة، الزبائن الذين سبق لهم سداد دفعة أولى بانتظار استحصالهم على موافقة الإسكان على طلبات قروضهم قبل الأزمة. فهؤلاء توقفت طلباتهم مع توقف عمليات اقراض المصارف، حسب صوما، وتالياً توقف الإسكان. فهذه الشقق التي كانت محجوزة باتت تشكل عبئاً على أصحابها ومشيديها.

بين 1500 و8000 ليرة
لا أفق ولا رؤية واضحة لأزمة العقارات في البلد، ولا تغيرات حاصلة رغم عمق الأزمة. ولا جدية بالتعاطي مع الأزمة. فالتردي يتزايد يوماً بعد يوم، والعلاقة التعاقدية بين أصحاب المشاريع والزبائن لم تعد واضحة، لاسيما في ظل تعدّد أسعار صرف الدولار في البلد. وحسب أحد المقاولين في منطقة المتن، وهو يواجه أزمة مع عدد من الزبائن الذين يتمسّكون بسداد الأقساط وفق سعر صرف 8000 ليرة، على اعتبار ان المصرف لا يسمح لهم بسحب أموالهم إلا بسعر الدولار المصرفي، وعادة ما يتم إبرام العقود بين المقاول والزبون عبر المصرف. هذه الحالات لا يمكن أن تُحل في المحاكم. فالخيارات المتاحة أمام الطرفين تتلخص جميعها بالتوصل إلى اتفاق ودّي فقط.

ويهمس صاحب المشروع إلى محاولته التوصّل إلى حلول مرضية للطرفين، تخوّفاً من أن يبادر أحد الزبائن إلى تنفيذ العقد بسداد ثمن الشقة وفق سعر الصرف الرسمي أي 1500 ليرة، عبر إيداع الأقساط لدى كتّاب العدل. فهذه الحالة تُعد تدميرية لصاحب المشروع. وإذ يؤكد صاحب المشروع أن هذه الحالة لم تحصل معه لكنها تبقى في إطار المخاوف.

وإذ يُعرب صوما عن تخوّف المقاولين ومنشئي الأبنية من وقوع فوضى بالبلد، وتكرار سيناريو الحرب واحتلال شقق أو التسلّط ووضع اليد عليها من قبل طالبيها، الذين لم يستكملوا دفع ثمن شققهم، يقول: لا شيء يمنع عودة هذا السيناريو”.



المدن