“هلهلة” الحكومة تبرّر بقاء عون في بعبدا؟

سابين عويس – النهار

في غمرة ما تشهده المنطقة من تطوّرات على أكثر من محور إقليمي ودولي، ما بين تحرّك ملفّ التفاوض الأميركي الإيراني حول النووي وأبرز تجلياته انتقال طاولته الى قطر، وبين الحوار السعودي الإيراني، أو الزيارة المرتقبة للرئيس الأميركي لكل من المملكة العربية السعودية وإسرائيل، يبقى لبنان الغائب الأكبر عن جداول الأعمال، فيما يُستخدم ورقة تفاوضية في يد طهران، الممسكة بملفين يشكّلان الخاصرة الرخوة التي يمكن الضغط من خلالها على واشنطن وتل أبيب: نفوذ “حزب الله” وترسيم الحدود البحرية.




في الأشهر القليلة الباقية أمام انتهاء ولاية رئيس الجمهورية #ميشال عون، أكثر من استحقاق فُتحت معركته على الغارب، في انتظار ما ستسفر عنه تطوّرات المنطقة، وما إن كانت ستُنضج التسوية المرتقبة أو أن أوانها لم يحن بعد. وفيما يعتقد البعض أن الاستحقاقين الأهم اللذين يطبقان على الاستحقاق الرئاسي يكمنان في الانهيار الاقتصادي والمالي، وتشكيل حكومة جديدة قادرة على التعامل مع هذا الانهيار، فإن مراجع سياسية بارزة تخالف هذا الاعتقاد لتؤكد أن لا شيء يعلو فوق صوت المعركة الرئاسية، وأن السباق بين الانهيار والرئاسة هو حتماً لمصلحة الأخيرة، ولا سيما أن ثمة من يعتقد أنه كلما أمعن لبنان في انهياره، بات شراؤه أقل ثمناً وكلفة.

وتبرّر المراجع قراءتها هذه بدعوتها الى التوقف عند امتناع رئيس الجمهورية عن تلقف المسوّدة الحكومية التي قدّمها الرئيس المكلف وانعقاد لقاءين بين الرئيسين لم يفضيا الى تحقيق أيّ تقدّم. حتى إن موعد اللقاء الثالث لن يكون قريباً، علماً بأن البلاد تدخل عطلة الأضحى لبضعة أيام، ما يعني مزيداً من المماطلة والتعطيل.

أما السبب الذي يدفع الرئيس عون الى عدم النظر بواقعية سياسية الى المسوّدة، وبذل الجهود لتدوير زواياها، بما يسهّل عملية التأليف ويتيح ولادة حكومة آخر العهد، فتعزوه المراجع الى عدم رغبة الأخير في تشكيل حكومة على غرار التشكيلة المرفوعة من الرئيس المكلف، لا تعطيه الحجم الوازن الذي يريده، وهو المدرك أن هذه الحكومة إذا ولدت، هي الوحيدة القادرة على ضمان استمرارية نفوذ فريقه السياسي، انتُخب رئيس جديد أو ذهبت البلاد الى الفراغ.
لا تعتقد المراجع أن العهد سيقبل حتى بتفعيل حكومة تصريف الأعمال، كما يطالب ميقاتي في الوقت الضائع إذا تعذر التأليف. ربما يقبل بالذهاب الى القبول بتشريع الضرورة في ظل حكومة تصريف الاعمال لإقرار بعض القوانين، أو على الأقل الإيحاء برغبته ودفعه في هذا الاتجاه، لعلمه أن عملية التعطيل والاعتراض سيتكفل بها غيره من الأفرقاء المتنطّحين للعب دور المعارضة.

وفي رأي المراجع، إن تفعيل جلسات مجلس الوزراء ممنوع، من أجل الذهاب بالضغط نحو تعطيل حكومة تصريف الأعمال حتى بالمفهوم الضيّق الذي تقوم به بتصريف الأعمال، إذ لا تستبعد هذه المراجع أن ينحو وزراء محسوبون على العهد نحو الاعتكاف والامتناع عن النزول الى وزاراتهم، بما يؤدّي الى شلل تامّ.

أما المكاسب التي سيحققها فريق العهد، فتضعها المراجع في إطار “هلهلة” الحكومة المستقيلة حتى لا تكون في وضع يؤهّلها تحت أيّ من المبررات الدستورية، لتسلم صلاحيات رئيس الجمهورية، ما يعطي في المقابل الرئيس المنتهية ولايته الذريعة للبقاء في قصر بعبدا حتى انتخاب رئيس جديد.

ويعوّل العهد في هذا على أن “حزب الله” لا يزال يغطي الرئيس في غياب وجود أيّ مكون مسيحي آخر قادر على توفير الشرعية والغطاء اللذين يحتاج إليهما الحزب.

ورغم إدراك رئيس الجمهورية أنه غير قادر على الوقوف في وجه أي قرار في شأن الاستحقاق الرئاسي، ولا سيما أن العامل الخارجي يطغى على العامل الداخلي في تحديد هوية الرئيس، فإنه يدرك كذلك أن الغرب لا يولي الملف اللبناني أيّ أولوية، إلا من زاوية الحفاظ على الاستقرار. وهذا في رأي المراجع يدفع الغرب الى التعامل مع الحزب لضمان عدم استدراجه البلد الى أيّ زعزعة محتملة. هذه هي حال باريس التي تبدي مرونة كاملة حيال الحزب. وهكذا قد تكون حال واشنطن إذا استُكمل ملف الترسيم كما تريد تل أبيب، أو تقدّمت مفاوضات النووي خطوات أكثر جدّية نحو الاتفاق.

في الانتظار، لا تخفي المراجع خشيتها من أن يقدم ميقاتي على الاعتذار لما ترتبه خطوة مماثلة من تداعيات خطيرة تسرّع الخطوات نحو الفراغ الدستوري الكامل، وأيضاً نحو الارتطام الكبير.