أين موقع بري في استحقاق الرئاسة الأولى؟

ابراهيم بيرم – النهار

قدر مضبوط ومضغوط من الكلام المباح اطلقه رئيس مجلس النواب #نبيه بري غداة انتهاء جولة الانتخابات النيابية الاخيرة وبعدها بقليل، ليعود بعدها سيد عين التينة الى شرنقة الصمت. لكن ذلك، على بداهته، لا يعني اطلاقا عند العالمين ببواطن الامور ان اللاعب السياسي المخضرم قد آب الى هدوء واستكانة وحال انتظار المجريات في السياسة، او انه خرج من دائرة الفعل والتأثير.




فالرجل الذي ما غادر الميدان السياسي ساعة من نهار ما انفك يرفض التقاعد او التقاعس، ويأبى ان لا يكون في موقع ادارة اللعبة السياسية والاقرار بأي ضمور او تراجع في الموقع والريادة، كما راهن البعض، بناء على ما افرزته نتائج الانتخابات النيابية الاخيرة.
وعليه يرصد المتابعون ان الرئيس بري نجح خلال الاسابيع التي تلت ضمان عودته، وإنْ بجهد اكبر من ذي قبل، الى كرسي الرئاسة الثانية التي يشغلها بلا انقطاع منذ ثلاثة عقود من الزمن، في توجيه اكثر من اشارة ذات معنى يستشف منها انه مطمئن الى انه سيكون بعد وقت ليس بالبعيد في موقع القابض بقوة على جزء لا يستهان به من خيوط ادارة اللعبة من الآن والى اجل غير منظور.

ومن ابرز معالم هذه الاشارات المنطوية على أبعاد:

– انه في صدد توجيه الدعوة الى جلسة انتخاب لرئيس الجمهورية بدءا من الاول من ايلول المقبل، اي فور بدء سريان المهلة الدستورية التي تجيز له ذلك.

وعلى رغم ان ثمة من اعضاء كتلته النيابية (التنمية والتحرير) من انبرى ليدحض هذا الامر، الا ان الايحاء او التلويح به ومن ثم المسارعة الى نفيه هو بمثابة رسالة مكشوفة ومباشرة الى من يعنيهم الامر فحواها ان شأن معركة انتخاب الرئيس المقبل قد باتت ملك يمينه وانه المتحكم الاول بها شاء من شاء وأبى من أبى.

– ثمة بطبيعة الحال من سارع الى تفسير الامر كله على انه وجه من وجوه المواجهة المفتوحة بين بري وبين العهد الرئاسي وحاضنته السياسية، وهي المواجهة التي خفتت نيرانها بعض الوقت، وخصوصا ابان التحضير لمعركة الانتخابات النيابية وتحالفاتها، الا انه تبدى انها عادت لتستعر مجددا غداة انتخابات رئاسة المجلس.

– ثمة ايضا من فسّر الامر على محمل آخر جوهره انه (بري) قادر على ملء الفراغ السياسي الحاصل من جراء استعصاء استيلاد الحكومة الاولى بعد الانتخابات الاخيرة.

– عندما قصد رئيس الحزب التقدمي الاشتراكي وليد جنبلاط قبل ايام صرح عين التينة للمرة الاولى منذ نحو ثلاثة اشهر وادلى من على منبره بتصريحه الهادىء والسلس، ثمة من انبرى ليدرج هذا الحراك المفاجىء في خانة السعي لاستعادة “التحالف المزمن والشراكة العتيقة”. وهو التحالف الذي أمّن لهما موقعا رياديا وتأثيرا بين القطبين الدائمي الحضور والفعل منذ الربع الاول من العقد الثامن من القرن الماضي.

ولم يكن هذا التطور الا طبيعيا بعدما عاد كل منهما الى المجلس النيابي الجديد وقد حصدا مكاسب ومغانم راهن كثر على ان التحولات قد لا تتيح لهما الحصول عليها وحصدها. وبمعنى آخر، هناك من يتحدث عن ان اللقاء الاخير للرجلين ولَّد لدى انصارهما والمقربين منهما شعورا فحواه ان ثمة رهانات تبددت وان بالامكان اعادة عجلة الزمن عقودا الى الوراء، اي الى عصرهما الذهبي في الحكم والسلطة ومغانمهما.

ربما ان ثمة مواقف اطلقها زعيم المختارة من امام عين التينة قد اعطت انطباعا اكيدا بانه جاد في رؤية حكومة مكتملة المواصفات تولد لانه ايا تكن هي افضل من سيادة الفراغ وبقاء حكومة تصريف الاعمال، فان متصلين بعين التينة يخرجون باستنتاج فحواه التشكيك بان بري يشاطر حليفه الرؤية عينها او الحماسة نفسها.

والواضح ان الذين اعتادوا النطق او الايحاء بلسان عين التينة لا يكلفون انفسهم عناء الرد على ما يشاع من ان الرئيس المكلف نجيب ميقاتي يستمد عناصر دعم واسناد من مواقف بري وهو يخوض معركة تأليف الحكومة مع العهد الرئاسي وفريقه السياسي. وهذا ما يوحي ان سيد عين التينة الذي “لا يموت له ميت” كما يقال لن يكون مستاء اذا ما تيقن من ان ثمة جهدا يُبذل لـ”تصفية” تركة العونية السياسية عندما يحين موعد خروج عون من قصر بعبدا، خصوصا اذا ما كان الخروج المنتظر مقرونا بعدم تأليف الحكومة الموعودة وتحقق فيها للرئيس وفريقه ما يسعى للحصول عليه من امتيازات ومغانم مع حكومة جديدة تأخذ فرصتها للولادة.

واذا كان ثمة من يفترض ان لبري من الاسباب والاعذار التي تدفعه للمضي قدماً في رحلة المواجهة الطويلة والمفتوحة مع العهد الرئاسي، فانه يعرف ولاريب، وهو العليم الخبير، ان امر الرئيس المقبل الذي سيخلف عون غير محسوم بعد داخليا، خصوصا بعد موازين القوى والمعادلات الجديدة المتكافئة والمتعادلة نسبيا التي برزت في مجلس النواب الجديد وفي ظل ارتفاع منسوب طموح الفريق الآخر الى “استرجاع” قصر بعبدا واحتلاله شرعيا. كذلك يعي بري ان الرئاسة في لبنان لن تنجز ما لم يباركها ويرعاها تفاهم دولي وعربي، وهو غير متوافر حاليا في ظل الاحتدام الحاصل في الاقليم وفي العالم وما يواكبه من تشظٍ وانعدام توازن.

انطلاقا من كل هذه المعطيات العنيدة، يدرك بري ان المطلوب منه السعي لتعزيز اوراقه في لعبة “صنع” الرئيس المقبل والحيلولة دون ان يتم الامر خلافا لارادته على غرار ما حصل في المحطة الاخيرة قبل ستة اعوام.

في السابق كان يقال ان عند بري مرشحا احتياطيا دائما هو صديقه الراحل جان عبيد، وانه مع ذلك كان منفتحا على اي تسوية رئاسية اخرى بالتكافل والتضامن مع شريكه “حزب الله”. وفي الاستنتاج الاوّلي ان استحقاق معركة الرئاسة الاولى يقترب وبري يدرك ان مفتاح الحسم او كلمة السر ليست محفوظة لديه، خصوصا ان التطورات قد صيّرت هذه المعركة اكبر حجما من بعض لاعبي الداخل. لكنه مع ذلك مقتنع تماما بانه سيأتي حين من الدهر ويعاد الاعتبار الى دوره المحوري كون الامر لن يتم الا في ارضه وعلى ملعبه، وانه سيُعهد اليه اجراء المقتضى لادارة الاستحقاق وضمان امراره.