مسيّرات “حزب الله”: رسائل لأهداف بالجملة وداخلياً… القرار لي

تركت التطوّرات والأحداث واللقاءات الأخيرة التي شهدتها الساحة الداخلية تساؤلات بالجملة والمفرّق حول ما هو مقبل على لبنان، في ظل التعقيدات والخلافات وتصفية الحسابات، وكل ينتظر الآخر على “كوع” المحاسبة والتشفّي، فيما يشهد البلد مزيداً من التدهور الاقتصادي والحياتي، وبالمحصّلة، على من تقرأ مزاميرك يا داوود.

في السياق، تشير مصادر سياسية عليمة لـ”النهار”، بناءً على معلومات ومعطيات، إلى أن ما جرى من إطلاق المسيّرات الثلاث التابعة لـ”#حزب الله” ليس بالأمر العابر، وإن كانت لا تحمل ذخيرة، أو أن ما حصل يدخل ضمن قواعد اللعبة بين إسرائيل و”حزب الله” تبعاً لما سبق أن حصل في محطات سابقة، لكنه يُعدّ حادثاً نوعياً وله أبعاد استراتيجية ويؤكد بالملموس، بعد ما قيل عن تقدّم إيجابي حول #ترسيم الحدود، أن “حزب الله” يقول للجميع “القرار لي”. ولفتت إلى أن خطاً بيانياً واضح المعالم يسير وفق أجندة واضحة لـ”الحزب” الذي سبق لأمينه العام السيد حسن نصرالله أن قال “إننا في الترسيم لا نتدخل، وسنكون خلف الدولة” ليعود ويعيّن النائب السابق نوّاف الموسوي مسؤولاً عن ترسيم الحدود البحرية، ومَن يمسك بهذا الملف، ما يشير دون أيّ جدل الى أن هذه الخطوة هي لقطع الطريق على المفاوضات، لأن “حزب الله” هو الآمر والناهي، ويجب أن تكون لديه أوراق سياسية داخلية وإقليمية ودولية بحاجة ماسّة لها ليبقى، ومن خلالها، يناور ويفعل ما يشاء لتحسين شروط إيران في المفاوضات النووية، وأن تقول طهران بدورها للمجتمع الدولي إنها قادرة، ومن الطبيعي عبر “حزب الله”، على أن تمسك بالورقة اللبنانية وتفعل ما تشاء، أكان على صعيد المفاوضات، أم الإستحقاق الرئاسي والملف اللبناني عموماً.




وتضيف المصادر أن ما جرى من خلال المسيّرات الثلاث، أصاب أكثر من هدف، أولها التأكيد لإسرائيل والمجتمع الدولي، أن الحزب لا يزال قويّاً ولديه من فائض القوة ما يكفي لأيّ مواجهة عسكرية مع إسرائيل، مع التأكيد هنا أيضاً، أن مسيّرات “كاريش” سيناريو يشبه إلى حدّ بعيد المسلسلات الطويلة التي تستغرق حلقاتها لسنوات. إضافة إلى أن الحزب بعث برسائل للداخل، بأنه قادر أيضاً على فرض نفوذه، وأنه من يوافق على تشكيل هذه الحكومة وتلك، وأنه لن يقبل إلا بما يوافق عليه حليفه الأبرز رئيس الجمهورية ميشال عون أو صهره رئيس “التيار الوطني الحر” جبران باسيل، وما يجري خلاف ذلك من حرص “حزب الله” على دعم الرئيس المكلّف، أو أنه يقنع عون وباسيل، فذلك يندرج في إطار توزيع الأدوار لا أكثر ولا أقلّ، وذلك ما تبدّى في أكثر من محطة استحقاقية ومفصلية.

وتتابع المصادر أن المسيّرات الثلاث التي أُطلقت هي مناورات سياسية ورسائل لأكثر من فريق داخلي وخارجي، فهي أيضاً استهدفت الدور العربي الفاعل، الذي يسعى إلى إعادة لبنان إلى حضنه العربي، وسحبه من المحور الإيراني، وعلى وجه الخصوص الدور الفاعل للمملكة العربية السعودية التي عادت بقوة إلى لبنان بفعل ما يضطلع به سفيرها في لبنان وليد البخاري، لذا، فهذه المسيّرات حاولت التشويش على هذا الدور والحضور السعودي والخليجي والعربي عموماً، بمعنى أن “حزب الله” لم يهضم هذه الحركة، فأراد أن يؤكد أنه من يمسك بالساحة اللبنانية، وهو المنزعج، أي “حزب الله”، من حركة السفير البخاري ولقاءاته مع النواب والقيادات والمرجعيات السنية، ومنهم من يعتبرهم الحزب من حلفائه من الطائفة السنية الكريمة.

من هذا المنطلق، وحيال هذه التطوّرات والأحداث و”مسيّراتها” من الداخل والخارج، فإن ما قام به الحزب، بعد الانتخابات النيابية الأخيرة، وما واكبها من خسارة بعض المرشحين المقربين منه، حاول لملمة صفوفه للقول لجمهوره إنه الأقوى، والأمر عينه للبنانيين والعرب وللمجتمع الدولي، لكن من تابع وواكب أو التقى ببعض المرجعيات وما سمعته وفق معلومات موثوقة من عدد من السفراء الغربيين المعتمدين في لبنان، إلى التواصل مع أصدقاء في الخارج، فإن قراءتهم تؤكد أن “حزب الله” نجح في السيناريو الأخير، ولكن بقدْر محدود، إذ تبيّن أن كل ما حدث هو ضمن الهوامش المسموح اللعب بها، وبالتالي، لن تتعدّى الأمور أكثر مما هو مسموح لتجاوز قواعد اللعبة. ولكن في الداخل اللبناني من الطبيعي أن الجميع متضرّرون ، على اعتبار أنه تبيّن مرة جديدة أن “حزب الله” هو من يقود السلطة والدولة دون حسيب ورقيب، ولهذه الغاية، قد يصار، في خطوات لاحقة، إلى افتعال أحداث على مستوى قد يتخطى ما جرى عبر المسيّرات الثلاث، وكل ذلك يؤدي إلى ارتفاع منسوب ترهّل الدولة والانهيار الاقتصادي، إلى ضبابية تحيط بالشأنين الحكومي والرئاسي، إلى حين تأتي تسوية ما تنقذ البلد.

النهار