الاتحاد الأوروبي وانتخابات 2022: لا شيء تغيّر!

سابين عويس – النهار

قد يكون #الإتحاد الأوروبي اكثر الهيئات الدولية التي تتابع من كثب #الانتخابات النيابية في لبنان، عاكسة حرص دوله على تأكيد الدعم الاوروبي له وللممارسة الديموقراطية فيه. لكن الاتحاد لا ينفك يُصدم بالتقدم البطيء في إرساء الاصلاحات الكفيلة بتحسين هذا المسار الديموقراطي، بحيث لا يمكن عدم تلمّس تكرار الملاحظات التي يبديها في تقاريره انطلاقاً مما تسجله بعثات مراقبة الانتخابات المنبثقة منه، حتى لو اعتبر الاتحاد ان الآراء والمواقف الواردة فيها لا تعكس بالضرورة سياسته او موقفه الرسمي.




يثمّن الاتحاد التزام السلطات الانتخابية إجراء الانتخابات النيابية في موعدها رغم ان الاعمال التحضيرية لها تأثرت بالموارد المالية والبشرية المحدودة، الا انه لا يغفل الإشارة الى طغيان ممارسات شراء الأصوات والزبائنية الواسعة النطاق، ما شوّه تكافؤ الفرص وأثّر في شكل خطير على اختيار الناخبين. فالحملة التي كانت نابضة بالحياة شابتها حالات مختلفة من الترهيب، بما في ذلك على وسائل التواصل الاجتماعي، فضلا عن حالات عرقلتها، وساد التلاعب بالمعلومات على مساحات الانترنت. وبدا واضحاً لمراقبي الاتحاد ان الإطار القانوني لتمويل الانتخابات يعاني من أوجه قصور خطيرة في ما يتعلق بالشفافية في المعلومات.
وإذ لاحظ هؤلاء ان حرية التعبير احتُرمت في شكل عام، الا انه لم يفتهم ملاحظة ان وسائل الاعلام فشلت في توفير تغطية متساوية ومتوازنة.

لم يفت المراقبين الثغرات التشريعية الدائمة والخطيرة التي لا تفي بالالتزامات الدولية ذات الصِّلة، وهي تشمل مهام هيئة الإشراف على الانتخابات وعملها وانظمة التمويل ومبدأ المساواة بين الرجال والنساء وحق فئات معيّنة من المواطنين في التصويت، واجراءات فرز الأصوات خارج البلد والاحكام القانونية لوسائل الاعلام. وهذا ما دفع الهيئة الى استخلاص ان الإطار القانوني الانتخابي لـ2022 لم يتغير عن السابق ولم يتم تنفيذ اي من توصيات بعثة الاتحاد لمراقبة انتخابات 2018 وعددها 25.

سجلت الهيئة ملاحظاتها على القانون الانتخابي في ما يتعلق بالاختلافات الكبيرة في النسبة بين الناخبين والمقاعد ما يتعارض مع مبدأ المساواة بين الأصوات، كما ان تسجيل الناخبين غير تفاعلي بفعل عجزهم عن تغيير مكان قيدهم بسهولة.

وتعي الهيئة ان وزارة الداخلية واجهزتها كانت تعمل بإمكانات محدودة ولم يكن لدى هيئة الإشراف على الانتخابات اي اموال أو موارد بشرية مؤهلة، ولم يكن لديها اي سلطة معاقبة على انتهاكات قواعد الحملات الإعلامية وتمويلها.

وعليه، سجلت البعثة ملاحظات لجهة افتقار الحملات الى تكافؤ الفرص والأثر السلبي للأزمة العامة على حجم وتنوع أنشطة حملات المرشحين، وكان توزيع اكياس الخبز والطرود الغذائية والإمدادات الطبية والمولدات والوقود من الممارسات التي استخدمتها احزاب ومرشحون للتأثير في شكل غير ملائم على الناخبين، كما لوحظت اعمال ترهيب وتدمير مواد الحملات وعرقلة أنشطتها.

سجلت الهيئة انتخاب 8 نساء من أصل 118 مرشحة، ما يستدعي تطبيق الكوتا النسائية.
لم تخرج في الواقع توصيات البعثة لانتخابات 2022 كثيراً عما كانت عليه في 2018. وهي بلغت 23 توصية لتحسين طريقة تنظيم الانتخابات وإدارتها وإجرائها. لكن اهم تلك التوصيات يمكن تلخيصها بستٍ ذات اولوية: انشاء مراكز “الميغاسنتر” على أساس التسجيل المسبق للناخبين لتسهيل مشاركتهم، انشاء هيئة الإشراف على الانتخابات ككيان قانوني منفصل ومستقل تماماً عن وزارة الداخلية، منح الهيئة الولاية والقدرة على التحقق من حسابات المرشحين الشخصية عن طريق رفع السرية المصرفية عنهم، وتمكينها من فرض غرامات رادعة على المرشحين واللوائح، تنظيم صارم لتوفير السلع والخدمات والمدفوعات من قبل مؤسسات المرشحين لتجنب استخدامها خلال الحملات الانتخابية، وأخيراً اعتماد تدابير خاصة موقتة لزيادة تمثيل المرأة في البرلمان.

قد يكون تقرير بعثة الاتحاد الاوروبي الذي يقع في 96 صفحة من التقارير المفصلة للعملية الانتخابية في لبنان، بما يساعد السلطات اللبنانية على الأخذ بتوصياته ومشاهداته، وهي في الواقع توصيات ومشاهدات شريحة كبيرة من اللبنانيين الذين لم يغفلوا عن رفع الصوت حيال المخالفات الفاضحة التي سادت مجرى هذا الاستحقاق، سيما وأنها تتكرر مع كل استحقاق، من دون أخذ العبر من التجارب السابقة.

والواقع ان ما ينادي به الاتحاد او اللبنانيون، ليس أمراً تعجيزياً، لو لم يكن يدخل في صلب الحملات الانتخابية وممارسات المرشحين الذين تعوّل غالبيتهم على قدرتهم على ممارسة المخالفات من دون حسيب او رقيب، سبيلاً لضمان الفوز حتى لو كان ذلك على حساب شراء الذمم والاصوات ومخالفة القوانين وضرب الديموقراطية في صميمها.