اتصالات ليليلة بين ميقاتي و”حزب الله” استوعبت “صدمة” بيان السرايا الحكومية

ابراهيم بيرم – النهار

سرت خلال الساعات القليلة الماضية في كواليس اللعبة السياسية معلومات مفادها أن ليل أول من أمس أثمرت اتصالات بذلت لإعادة “رتق” أولي “للفتق” الذي طغى على العلاقة بين الرئيس المكلف تأليف الحكومة #نجيب ميقاتي و”#حزب الله” في أعقاب “بيان السرايا” المدوّي الذي تلاه وزير الخارجية في حكومة تصريف الأعمال عبد الله بوحبيب.




واللافت وفق تلك المناخات السارية أن “الحزب” استمع عبر قنوات التواصل المعتادة الى “تبرير” ميقاتي لدوافع إصدار ذلك البيان بما احتواه من مضامين ودلالات، ولكن ردة فعل الحزب أوحت بأنه “كمن أخذ علماً وأظهر تفهّماً للدوافع والأسباب لكنه ضمناً لم يكن مقتنعاً كل القناعة، خصوصاً أن ميقاتي أبلغ بغير المباشر الى مندوب الحزب بأنه لم يشأ من الأصل أن يكون البيان بهذه “الصورة الحادة” التي افتقرت الى الديبلوماسية، “ولكن قاتل الله الحاجة العليا والظروف الصعبة واجتهادات الآخرين التي ذهبت بالأمور بعيداً فكان ذلك البيان المشكوّ من أنه يفتقد التوازن”.

ضمناً، بات الحزب حسب مصادره يراهن على أن تكون “هذه الإساءة إليه” من جانب حكومة ميقاتي التي يشكل هو أحد أعمدتها الأساسية هي الاخيرة خصوصاً أنها الثانية من حيث الحجم والاستفزاز ولأن الثالثة تعني فتح أبواب المواجهة على مصاريعها وحرقاً للمراكب.

باختصار، يبدو الحزب وقد قبل على مضض التفسير الذي قدمه ميقاتي والذي دفعه الى ركوب هذا المركب الخشن. وكان ميقاتي يبدي اطمئناناً بأنه إنما يقدم “فلسفة” مقنعة من شأنها أن تخفض منسوب الأصوات التي علت بالاحتجاج وصدحت بالاعتراض. واستطراداً فإنه وإن كان برأي المعترضين “ارتكب جناية سياسية بحق الشريك في الحكومة وفي اللعبة السياسية فإنه لم يكن يتقصّد فتح أبواب الصراع مع جهة بعينها بل رأى أن المصلحة العليا للدولة ومستقبل الوضع فيها اقتضى ذلك كله”.

وأكثر من ذلك أبلغ الرئيس ميقاتي من يأنس الاتصال الليلي بهم للتداول والاستئناس أن الخطوط العريضة التي اعتمدها للمضيّ حيث مضى (بيان السرايا) تقوم على الآتي:

– أنه، أي الرئيس المكلف، لاعب رئيسي ومحوري على الطاولة والمكوّن الثالث من مكوّنات الدولة والحكم والحياة السياسية لذا فليس من حق أحد أن يمنعه من الاجتهاد حيث يقتضي الحال.

– أن رئيس الجمهورية ورئيس مجلس النواب وهو يشكلون بالتكافل والتضامن الفريق المفاوض الأعلى في مسار المفاوضات لترسيم الحدود البحرية واستنقاذ ثروات لبنان الطبيعية. “ونحن كنّا سلّمنا سابقاً بأمرين اثنين هما:

الأول: أن رئيس الجمهورية أوكلت إليه مهمّة المفاوض الأول منذ أشهر عدّة.

الثاني: نفترض سلفاً أن دور المقاومة هو حيث سبق أن أعلنت بصراحة وشفافية أنها في هذا الأمر تقف أمام الدولة ووراءها وبجانبها الى أن نصل الى ترسيم يحفظ للبنان كل حقوقه.

ولذلك نرى أنه والحال هذه يتعيّن أن نستفيد ضمناً من هذه الورقة لكي نقوّي الموقع الرسمي المفاوض الذي يمرّ الآن في أدق مراحله بناءً على الظروف والمعطيات التي يعلم الجميع تفاصيلها وخلفياتها”.

وبناءً على ذلك يعتقد ميقاتي أن دور الدولة والحال هذه يفترض أن يكون الإصرار على التمسّك بالمسار التفاوضي وبدور الوسيط الأميركي الذي سبق أن أعلن الجميع القبول به وسيطاً حصرياً. وهذا هو جوهر بيان السرايا الذي صدر أخيراً “واستدعى هذه الضجّة وردود الفعل الظالمة والجائرة”.

ويستطرد المتصلون بميقاتي أن الرئيس المكلف، بناءً على كل هذه الاعتبارات، يرى “أن من الواجب ونحن نعلن تمسكنا بخيار التفاوض طريقاً وحيداً أن ننأى بأنفسنا كدولة عن كل عنصر مستجد يدخل على الخط ونعلن أيضاً أن لاعلاقة لنا به وأنه مسار آخر منفصل تماماً لا يتم بالتنسيق معنا أو بعلمنا أو بتغطية منّا”.

ويخلص الناقلون عن ميقاتي الى الاستنتاج “أن ما سعينا الى تظهيره في بيان السرايا أن عمل الدولة وإدارتها لعملية التفاوض الجارية حالياً والتي سبق أن ارتضيناها خياراً حصرياً الى أن نيأس ونستنفد الخيارات المتاحة، هو عمل نتمسّك به ونصر عليه ولا سيما بعدما استحضرت إسرائيل قبيل فترة باخرة التنقيب أو الاستخراج اليونانية وأرستها على تخوم المنطقة البحرية المتنازع عليها وهو ما أضاف عنصر ضغط جديداً على المشهد التنازعي”.
وتنطلق المصادر عينها في هذا الاستنتاج من قناعة لدى الجهات الرسمية المعنيّة فحواه أن أي “إشهار” لمسألة التكامل بين خياري التفاوض وورقة المقاومة هو سلوك مؤذٍ ومضر بالنسبة لنا ولحقنا وقضيتنا وهدفنا المركزي وهو الحصول على حقنا بثرواتنا النفطية والغازية المخزونة في عرض البحر.

وفي كل الاحوال ورغم عاصفة الردود وحملات الانتقاد التي هبّت على بيان السرايا وما زال صداها يتردّد، فإن الرئيس ميقاتي بدا في الساعات القليلة الماضية وكأنه على يقين من ثلاثة أمور:

الأول: حاجة “حزب الله” الى حضوره السياسي في قلب المعادلة السياسية والحكومية في هذه المرحلة، وهو الذي يمتلك علاقات ممتدّة مع الخارج ولا سيما الغرب، فهو يقيم على قدر من الطمأنينة بأن الحزب مهما استبدّ به الغضب والاستياء ليس في وارد الانفكاك عنه أو مفارقته الى الضفة الأخرى.

الثاني: أنه يعتقد في قرارة نفسه أنه ما انفك يتحرّك ويلعب ضمن الهوامش التي يتفهّمها الآخرون وفي مقدمهم “حزب الله” وإن على مضض.

الثالث: قدرة الحزب المشهودة على ضبط قاعدته وعلى استيعاب ردة فعل جمهوره خصوصاً أن التجارب أثبتت قدرة هذه القاعدة على الالتزام بتوجهات قيادة الحزب. وبالعموم فإن تصرف ميقاتي خلال الساعات الماضية يشي بأنه على قناعة بأن الأمور عادت الى مجاريها بينه وبين الحزب وأن ثمة حاجة مشتركة للطرفين الى طيّ صفحة ما بعد بيان السرايا.