غسان الحجار - النهار

أين الكنيسة ودار الفتوى من جريمة القاع؟ – غسان حجار – النهار

لم أسمع مفتي الجمهورية اللبنانية الشيخ #عبد اللطيف دريان يستنكر الاعتداء الجنسي على أولاد في #بلدة القاع. ربما لا شأن له بذلك لأنهم مسيحيون، لكنه رفع الصوت عالياً ضد الزواج المدني، الذي ربطه عمداً بزواج المثليين، أو بعلاقاتهم الجنسية.

في وقت سابق، كتبتُ وأعلنتُ عبر “تلفزيون النهار” أسفي العميق لعدم صدور أي موقف عن #المطارنة مجتمعين أو فرادى، يستنكر الاعتداء الذي حدث في مجدل العاقورة ضد عمال سوريين، وآخرين لبنانيين من عكار المنسية والبعيدة قلباً وقالباً. وزاد أسفي أن الاعتراض اقتصر على رجال دين مسلمين، انضم إليهم لاحقاً عدد من نواب المنطقة.




وبالأمس اجتمع “وجهاء” بلدة القاع، مع النائب ابن البلدة سامر التوم، والكهنة، في محاولة لـ”لفلفة” القضية، كما تردد، ربما من دون نيّة سيئة للتغطية على الجرم، بل لحفظ “صيت” البلدة التي قد يسيء اليها فرد من أفرادها لا يعبّر عن الجماعة والوضع العام.

لكن بعيداً من الدعوات التي ملأت صفحات التواصل الاجتماعي والداعية الى الاقتصاص من الجاني، تارة بإعدامه، أو ربطه بحبل في وسط البلدة وجرّه أمام الناس، أو قطع عضوه التناسلي، الى مزيد من الاقتراحات الحماسية، التي تظهر مَيل اللبنانيين المفرط الى الانتقام الشخصي والأخذ بالثأر، فإن الاحتكام الى العقل يقتضي دعوة أجهزة الدولة الى اتخاذ اجراء فوري في حق المعتدي، والاسراع في محاكمته ليكون عبرة للآخرين. ثم إن على الدولة، ومؤسساتها، والمؤسسات الرعائية، والدينية منها على وجه الخصوص، أن تبادر الى توفير الرعاية والعلاج النفسي للضحايا وذويهم.

أما بعد، فإن استغلال أوجاع الناس للانتقام السياسي هو أمر غير أخلاقي. فأن يكون المعتدي منتمياً الى “التيار الوطني الحر” وفق ما تردّد، فهذا لا يعيب على هذا التيار السياسي الذي قد يضم في صفوفه عقلاء ومجانين، وأوادم وزعران، كما كل الأحزاب والطوائف والجماعات. وثمة احتمال أن يكون المعتدي مريضاً نفسياً ويحتاج بدوره الى العلاج، أي الى العقاب العلاجي.

ومن المعيب جداً أن يحاذر المسلمون رجال دين ودنيا، الاستنكار، كما فعل المسيحيون في حالات مماثلة سابقة، لأن الانسان وفق الاديان السماوية، مخلوق على صورة الله ومثاله، وله كرامته وحقوقه، وبالتالي فإن الدفاع عن كرامته البشرية لا تحدّه مذاهب وطوائف، بل إن رجل الدين تحديداً، لهو مقصّر وخائن الأمانة، إذا لم يدافع عن كل مستضعف ومظلوم ومعتدى عليه، الى أي طائفة انتمى، أو لم يكن ينتمي الى أي دين على الاطلاق.

وعلى كنيسة لبنان الاستنكار العلني الواضح لجريمة القاع، من دون خجل أو وجل، فالبابا بينيديكتوس أحلّ الكهنة المتحرشين من سر الكهنوت، ودعاهم الى ترك السلك، وكان جريئاً في قراره، وحرّ الضمير، وكبير الإيمان.

أن يكون المعتدي مسيحياً في بلدة مسيحية، لا يعني شيئاً ولا يسيء الى المسيحية، ولا الى القرية وأهلها، بل إن التعمية على ما حصل هي الأكثر سوءاً وإساءة.

الجريمة ستظل مثار جدل لأيام، وستُطوى، وستدخل دائرة النسيان، خصوصاً في الإعلام وفي المجتمع، متى ظهرت قضية أخرى مثيرة. لكن العبرة الباقية منها ومن المواقف التي تحوطها هي في التصدي لها، وفي إبراز رجال دين ودنيا في مواقع المسؤولية صوت دعواتهم وخطاباتهم ومواقفهم، وفي التزامهم حقوق الانسان الذي على صورة الله ومثاله.