التعويل على بري لانتخابات رئاسية في موعدها

روزانا بومنصف – النهار

يقود البطريرك الماروني مار بشارة الراعي بنفسه حملة اعلامية تكاد تصبح شبه اسبوعية في عظاته الكنسية للمطالبة بانتخاب رئيس جديد للجمهورية قبل انتهاء ولاية رئيس الجمهورية الحالي بشهر او شهرين مذكرا في شكل خاص بالمادة 73 من الدستور التي تنص على بدء مهلة انتخاب رئيس جديد قبل شهرين من موعد انتهاء الولاية الرئاسية. يغلب القلق على رأس الكنيسة المارونية في ظل تفكك مؤسسات الدولة وانهيار مرتكزاتها ولا سيما تلك التي كانت عماد الوجود المسيحي القوي في لبنان من فراغ متجدد كما حصل قبيل انتخاب الرئيس ميشال عون بفرض فراغ رئاسي لمدة عامين ونصف العام. الفارق ان البلد كان متماسكا بالحد الادنى وكانت مقومات الصمود استمرت لو احسن ادارته في حين ان الواقع الراهن لا ينذر فحسب في بقاء الموقع الماروني الاول والرئاسي الوحيد في المنطقة رهينة مصالح اقليمية وداخلية متداخلة بل سيكون له تداعيات متدحرجة كانت بدأت في الاعوام الثلاثة الماضية بتهديد المواقع الاولى للمسيحيين بمساهمة وانخراط عميق من العهد في استهداف ما تبقى منها لحساب المصالح الخاصة المعروفة. وليست اكيدة او محسومة قدرة البطريرك على الضغط على نحو كاف من اجل اجراء الانتخابات الرئاسية في موعدها ما لم يدعم خارجيا من الفاتيكان وفرنسا ودول صديقة اخرى قد تستند الى رغبة الكنيسة للضغط بدورها فيما ان اهل السلطة بدأوا في لعب اوراقهم كل حسب مصالحه ومن غير المتوقع ان يتجاوب العهد مع رغبة البطريرك الذي بات يوجه انتقادات قاسية غير مباشرة له من خلال المطالبة برئيس للجمهورية ينتشل البلد من القعر الذي هو فيه . فيما ان القوى المسيحية الاخرى لم تظهر على رغم بدئها اتصالات في ما بينها قدرة على توحيد رؤيتها او موقفها من الموضوع الرئاسي كما من مواضيع اخرى . ولكن الثابت ان البلد قد لا يتحمل فراغا رئاسيا متجددا علما ان فريق عون اذا كان سيقوم بذلك فانما سيحتاج كما في السابق الى دعم حليفه ” حزب الله” لعجزه عن تحمل الضغط وحده في ظل الوضع الراهن . ويثار هنا السؤال اذا كان الحزب سيدعم او سيفتعل تعطيلا لمصلحة ايصال مرشح له كما فعل في 2016 مما يعيد طرح اشكالية امام بكركي والقوى المسيحية في شكل خاص على خلفية ان فراغا قد يحصل او يفتعل على غير ما هي مصلحة الكنيسة والمسيحيين او ان يكون الرئيس العتيد رهينة حسابات ومصالح لا تمت بصلة الى مصلحة لبنان في الدرجة الاولى . وثمة اقرار سياسي من اوساط عدة بان ورقة الرئاسة قد تتم خسارتها في حال لم تلعب الاوراق جيدا ومن بينها الاتفاق على شخصية مؤهلة يصعب رفضها داخليا وخارجيا . والمفارقة الاهم ان غالبية القوى السياسية غير الممثلة في السلطة تخفي تعويلا كبيرا ضمنيا على رئيس مجلس النواب #نبيه بري في شكل خاص في التصدي لطموحات في غير محلها لا سيما اذا كان للعهد مطامع متجددة على هذا الصعيد على رغم عدم وجود اوهام كبيرة بعدم تأثره ب” حزب الله” اذا كان للاخير مصالح مغايرة في ما يتعلق بالموضوع الرئاسي، وبدرجة اقل على رئيس الحكومة المكلف نجيب ميقاتي على رغم التعويل على الاخير في موضوع عدم التساهل في تأليف الحكومة. وفي الحالين فان للثنائي الشيعي التأثير الذي لا يمكن تجاهله على هذا الصعيد فيما يتراجع التأثير المسيحي لا سيما اذا لم يتم دعم بكركي في مطلبها المبدئي وعدم بلورة مرشح رئاسي وفاقي ومقبول .




تتضاءل امكانات البلد على صعيد تأمين الاساسيات من خبز ومحروقات وكهرباء في الوقت الذي يتعامى اهل السلطة في صراعهم عن هذه العناصر المؤثرة والتي تشكل عوامل ضاغطة بقوة بحيث سيكون صعبا تجاهلها ازاء من سيعطل الانتخابات الرئاسية وما يمكن ان تتركه من تداعيات خطيرة . ويبدو رؤساء بعثات ديبلوماسية اجنبية في بيروت على اقتناع كبير بان عون لن يستطيع ابتداع الذرائع للبقاء في بعبدا سواء بوجود حكومة كاملة المواصفات او حكومة تصريف الاعمال ملوحين بانه قد يشهد عزلة خارجية غير مسبوقة تفوق تلك التي عاشها اميل لحود بعد التمديد له قسرا من السوريين . وفيما يأخذ البطريرك الماروني حتى الان مهمة الضغط من اجل اجراء انتخابات رئاسية في موعدها من دون ان تتقدم القوى السياسية في اتجاه الوتيرة نفس، فان الوضع لن يبقى على حاله ويظهر ذلك من الدعم لميقاتي في موضوع وزارة الطاقة مثلا ووزارة الاقتصاد ومطلب البقاء صلبا وعدم التساهل . فيما يملك رئيس الجمهورية اوراقا يمكنه الاستفادة منها على رغم بقاء اربعة اشهر من ولايته من بينها محاولته التأثير ايجابا في تأمين انتخاب خلف له ومحاولة الحصول على ضمانات ما لفريقه الذي يرجح الا يبقى على تماسكه او قوته بعد انتهاء رئاسة عون نتيجة علاقات داخلية متوترة مع رئيس تياره. والمهم بحسب هؤلاء ان يكون لديه اقتناع اولا بان لا تحول محتملا في المدة الفاصلة عن موعد الانتخابات وحتى لمدة طويلة في الظروف بحيث تساعد على اعلاء حظوظ صهره انطلاقا من ان المقارنة بين استحالة وصول عون شخصيا في اوقات سابقة ووصوله لاحقا تختلف كليا عن الواقع الراهن بعد الفشل الفظيع للعهد ومسؤولية اعتماده على صهره كرئيس للظل خلاله . هذه الانطباعات لدى السفراء المعنيين يبددها غياب الثقة من اوساط سياسية عدة بعدم محاولة العهد كل ما يمكنه من اجل البقاء وعدم مغادرة السلطة بسهولة . وهذا مصدر قلق كبير يتم تعميمه على قاعدة المفاخرة الدائمة لعون بانه لا يمكن توقع تصرفاته او ما سيقوم به . والمراهنة على ترسيم الحدود مع اسرائيل على انه انجاز يمكن ان يختم به عهده يرتبط بواقع الرغبة في تحصيل مكاسب مضمونة لفريقه لوقت طويل جدا في المستقبل عبر الاستثمار في الغاز والنفط اكثر من الحاجة الى انجازات لم يعتمد ابدا على تامينها ضمانا لشعبيته سابقا او لاحقا .