سمير عطا الله

صورة المكنسة “وساماً من رتبة أمّ” – سمير عطالله – النهار

“للمستقبل أسماء عدّة. للضعفاء هو المستحيل، لضعاف القلوب هو المجهول، لكن للشجعان هو الأحبّ”.
هيغو (البؤساء)

لا أذكر في أيّ عهد بدأت عادة نشر صور الاستقبالات الرئاسية اليومية. وهوعمل غير مألوف في الجمهوريات الأخرى، إذ ليس حدثاً أن يستقبل الرئيس وزيراً، أو صديقاً، أو عائلة جاءت تشكره على تعزية. وإنما هو عمل، أو واجب، أو جزء منهما. لكن التقليد بدأ، وأصبح من الصعب التخلي عنه لكي لا يبدو ذلك نقداً لمن سبق.




الرئيس ليس في حاجة الى شهود على أنه يعمل. وقد كان التقليد مثار تعليقات ساخرة في بعض دول الخليج في الماضي. واقترح سياسي محترم إنشاء قناة خاصة للاستقبالات والعناقات اليومية، وطرح اسماً لها، هو “Kissing News”، بدل إضاعة وقت الناس في صور يومية من نوع “استقبل” و”ودّع”.

في أيّ حال، لا ضرر. دعهم يتصوَّروا. لكن هذا التقليد اللذيذ يتحوّل الى رتابة غير لائقة عند تشكيل الحكومات. وهو أمر كثير التكرار في الجمهورية الفاضلة، إذ عندها تتكرّر كل يوم تقريباً زيارة الرئيس المكلف للقصر الجمهوري للتشاور، فيتكرّر المشهد والصورة ومعالم الوجوه غير المقروءة.

ضرب الرئيس #سعد الحريري الرقم القياسي في الطلوع والنزول على درب بعبدا، إلى أن قرر، أو فضّل، الخروج من السياسة برمّتها. في مثل هذه الشدائد، تحتاج المسألة الى أعصاب مثل أعصاب نجيب ميقاتي، الذي قيل إنه “يدوّر الزوايا” والحقيقة أنه قادر على تربيعها. يشبه دولته، ما شاء الله، عمالقة فريق نيويورك لكرة السلّة.

لكن الرجل ليس قادماً للّعب، فهو معتاد العمل والجديّة والنجاح. وفي أزمة اقتصادية عالمية سجّلت شركته العام الماضي 700 مليون دولار أرباحاً. عندما يكون الوقت ثميناً الى هذا الحدّ، لا يعود هناك متّسع لتجربة درب الآلام مرة أخرى.

في المكتبات الآن مذكّرات الرئيس #صائب سلام (هاشيت أنطوان) وفيها أنه حمل الى الرئيس سليمان فرنجية أكثر من تشكيلة فيرفضها، فسارع الى سحب كرامته، تاركاً التكليف في بعبدا. عندها استبدل فرنجية سلام بالرئيس رشيد الصلح. سنوات من رجل الدولة بسياسي مبتدئ في وضع بركاني. كانت النتيجة أن انتصر الرئيس فرنجية بفرض كلمته، وبدأت خسائر #لبنان.

تلك مسألة لم تبدأ مع الرئيس فرنجية، أي الخلل في التعامل بين الرئيس الماروني ورئيس الوزراء المسلم (لم تكن شيعة وسنة قد شاعت بعد)، لكنها كانت إحدى الذرائع، أو الأسباب، التي أُخِذَ بها في تفجير الحرب. كما أنها لم تبدأ بين سليمان بك وصائب بك، بل بين الرئيسين فؤاد شهاب وصائب سلام، ويُفهم من المذكّرات أنها لم تنته بعد. ولي طرفة شخصية في الموضوع. فقد كنت على اتصال أسبوعي بصائب بك في جنيف. وعندما يكون راضياً عن مقالي في “الشرق الأوسط” يخاطبني قائلاً: يا سميرا. أمّا إذا تضمّن المقال حنيناً إلى أيام فؤاد شهاب، فكان يخاطبني بلهجته البيروتية المرتفعة: أستاذ سميرا.

تعيدنا مذكرات صائب بك الى زمن الخلاف الكبير. يوم الصراع شخصي لكن المصالحة وطنية وعامة. يوم يرفع الرجل النبيل شعار “لا غالب ولا مغلوب”، بل دولة منتصرة برجال كبار وقضايا كبرى. لا الغالب تسمح له أخلاقه بسلوك الغلبة، ولا المغلوب يرغم على الإقرار بهزيمته. ذلك لم يكن خُلق صائب سلام وحده. ذلك كان خلق الجماعة، وإن كثر شواذها. صفّ طويل من رجال الدولة والمسؤولية قبل الحرب: رياض الصلح، وعبد الله اليافي، ورشيد كرامي، وحسين العويني، وسليم الحصّ، أطال الله في عمره، في نزاهته وعفّته السياسية. محزن أن رجال الدولة لم يتفقوا دائماً وهم في الحكم: صائب بك وريمون إده مع فؤاد شهاب. وسليم الحص مع فؤاد بطرس. وتقيّ الدين الصلح مع سليمان فرنجية. وأمين الحافظ مع “نادي” رؤساء الحكومات.

لم يكونوا يدركون، مع الأسف، أن تراكم الأشياء الصغيرة يترك انعكاسات كبيرة في حياة الشعوب والأمم. وإن وقت الدول بالثواني وليس مثل وقت الافراد، مع أن الفرد هو الجماعة في نهاية المطاف: هو تلك الطاقة العبقرية الخلّاقة التي طالما اشتهر بها لبنان. فكلما أحلكت عتمته واشتدّت ظلمته وتهتّك ظلمه، أشرق نور من مثل نور إيلي الخوند، الذي هزم هو وأمّه ومكنستها، الفقر والقهر، وشعَّ نجماً في سماء الجامعة الأميركية. شغّالة بيوت أمّه، مثل أمّ ألبير كامو. مثل أم إميل بستاني، رفيقة في كلّية الهندسة. مثل أعداد هائلة من الأمّهات اللواتي لم يتحدّث عنهن أبناؤهنّ، كما أذاع إيلي الخوند من حديقة الجامعة على المتوسّط، حكاية أمّه ومكنستها وساعات العمل في بيوت الخواجات.

ولن تقوى أبواب الجحيم على أمّهات لبنان. غطت صورة إيلي الخوند التذكارية يلقي خطاب التخرّج، على جميع الصور في البلد الحزين. لم يعد فيه أفراح ولا أعياد أطفال. فيه سياسيون وقحون يدقون على أبواب البسطاء والفقراء: هاتوا ما بقي.

وما بقي شيء. لكن سوف يخرج من بين طوابير الذل والفقر دائماً، أمّ تعيد ولادة لبنان. ولن يتطلع شباب لبنان الى صور اليوميات السياسية اللجوجة التي تسرق أيامهم وغدهم، بل الى صورة ملهمة واحدة.

صورة “المكنسة وساماً من رتبة أمّ”. ودولة عقيمة، وشعب فيه إيلي الخوند وأمّه وأبوه.