الشرخ يتّسع مع ميقاتي والحزب يراجع حساباته

ابراهيم بيرم – النهار

لايبدو “#حزب الله” في وارد فتح سجال كلامي مكشوف مع الرئيس المكلف #نجيب ميقاتي على خلفية بيانه المدوي مع وزير الخارجية في حكومة تصريف الاعمال عبد الله بوحبيب بادانة عملية المسيّرات الثلاث التي طيرها الحزب في اتجاه الحقل البحري النفطي كاريش. وهو لا يكتم بطبيعة الحال شعورا هو مزيج من المرارة والاستغراب حيال اللهجة العالية التي انطوى عليها ذاك البيان الذي تلي من على منبر السرايا الحكومية، والذي في اعتقاد الحزب لامبرر له، الا لان ميقاتي ذهب في الاستجابة والتلبي لما طلب منه على نحو فقد معه ميزان “وسطيته واتزانه واعتداله” في ادارة الامور خصوصا في العلاقة مع طرف داخلي وازن .




ولان امر البيان الاخير يوشك ان يكون استنساخا لمضمون بيان سابق لم يمر عليه الزمن، اطلق ايضا على لسان بوحبيب يوم انفجار “عناقيد الغضب الخليجي”، فان ذلك من شانه ان يدفع الفريق المعني مستقبلا الى اعادة النظر في “العلاقة المضبوطة والمدوزنة ” بين الطرفين والقائمة على حزمة شروط كما هو واقع الحال منذ ان تولى ميقاتي رئاسة الحكومة قبل الانتخابات النيابية الاخيرة.

الحزب في هذا الاطار لايخفي لمتصلين به انه رغم قدرته على استيعاب الصدمات والكدمات صارت تتملكه الخشية من عدم قدرته من الان فصاعدا على ضبط قاعدته وجمهوره اللصيق، خصوصا ان الحزب لم ياخذ وقتا ليزن الامور فوافق من دون شروط مسبقة على تكرار تجربة الشراكة الحكومية مع ميقاتي، وسارع الى منح اصوات كتلته لتكليفه، فبدا مع رفاق المحور بانهم رافعته شبه الحصرية الى الرئاسة الثالثة مرة جديدة. وترفض مصادر على صلة وثقى بدوائر القرار في الحزب تسمية هذا التشخيص بانه عبارة عن رسالة اعلامية –تحذيرية توجه لميقاتي، لكن الاكيد انه يستبطن ردة فعل مشروعة على فعل يعبره مؤذ.

عموما تجد المصادر عينها بان مسلك الرئيس ميقاتي في نسخة ما بعد الانتخابات يشي بانه مختلف عن النسخة الاصلية التي ورد بها الى الحكم قبل عام و نيف، اي حينما قبل التصدي لمهمة يعرف حجم المصاعب التي تواجهها. فالحال اننا امام شخصية وكانها قررت ولوج مواجهة مفتوحة متكئة على عوامل عدة منها عامل الوقت الضاغط والداهم المتمثل بقرب انطواء ولاية الرئيس ميشال عون، لا بل ان الرئيس ميقاتي يتبدى مختلفا عن ميقاتي الذي قدم نفسه “فك مشكل” عندما قبل تولي رئاسة حكومة انتخابات انتقالية غداة اغتيال الرئيس سعد الحريري ثم عندما قبل ان يشكل حكومة مواجهة في عام 2011. يعرف الحزب تاكيدا لعبة التوازنات الداخلية وزئبقية ادارة الحكم من منطلق انه عبارة عن بيت بمنازل كثيرة، لكن الثابت ان الحزب مع ميقاتي وابوحبيب على وجه التحديد يستشعر ان ثمة محاولة جادة واكثر جرأة للقفز فوق قواعد اللعبة وتخطي التوازنات.

وليس خافيا ان الحزب بدا متسامحا مع ميقاتي وبادر الى تسميته اخيرا رئيسا مكلفا مفارقا بذلك كل اعتبارات شريكه في التفاهم “التيار الوطني الحر” فضمن له عودة امنة الى الرئاسة الثالثة. واكثر من ذلك بدا الحزب بعد التكليف وكأنه قد نأى بنفسه عن ملابسات التأليف انطلاقاً من رغبة اكيدة عنده برؤية الحكومة تولد باسرع وقت. ولكن في الايام القليلة الماضية بدا الحزب مستدركا للامر ومستشعرا ارتيابا، فسارع الى الخروج من شرنقة الصمت التي اعتصم بها خلال الاسابيع القليلة الماضية ليفصح عن عدم ارتياح وعن ارتياب خصوصا في اعقاب الطريقة التي قدم بها ميقاتي تشكيلته الى الرئاسة الاولى والتي برايه تنطوي على الاتي:

– استفزازية ولاتراعي القواعد والتفاهمات المعمول بها .
– تساهم ولاريب في تضييع الوقت الذي بات من ذهب.
– يستشم من سياق العملية كلها ان ثمة رغبة بتصفية حساب مع العهد بمفعول رجعي. وهو في الاشهر الاربعة الاخيرة للحيلولة دون تحقيق اي مكسب يعتد به .
– يشجع على تعزيز الاعتقاد بان ثمة سعيا خفيا لابقاء البلاد تحت سيف حكومة تصريف الاعمال .
– التلاعب بالوقت وبالوقائع لفرض امر واقع يتصل بالرئاسة الاولى بعد شغور قصر بعبدا من ساكنه .

بالاجمال فان الحزب يعي تماما تفاصيل الصراعات السياسية وطبيعتها ويعتبرها جزءا من اللعبة المعهودة، ولكن الذي يخشاه بان تساق البلاد الى فوضى اعمق تضيع فرص الولادة الحكومية لان مقاربة الرئيس المكلف لعملية التاليف لاتبعث على الطمانينة .

وخلافا لواقع الحال، فان الحزب يجد في ردة الفعل من جانب الرئاسة الاولى “نهجا حكيما وحليما” ساهم الى حد بعيد في امتصاص عاصفة الاستياء والغضب التي كان يفترض ان يرد بها على اداء ميقاتي وعلى تشكيلته الاشكالية فيحصل عندها الصدام المدوي وتضيع نتائج الانتخابات النيابية الاخيرة والزخم والدينامية التي افرزتها .

في كل الاحوال تجد المصادر عينها بان الفرصة مازالت متاحة امام الرئيس المكلف لكي يمارس مهمة التاليف التي تستولد حكومة لا تعتمد “كسر الارادات ” و”قهر الاخرين” وتسجيل الغلبة عليهم، فتلك سياسة سبق ان جربت ولم تولد الا الازمات.