“التيار الوطني الحر” خلال العهد الرئاسي: أي علاقة ومعادلات؟ مَن أخذ من رصيد الآخر… “معركة كونية” أم “تجربة فاشلة”؟

منال شعيا – النهار

ان تكتب عن “#التيار الوطني الحر” والتبدلات التي اختبرها منذ انطلاقته، ليس بالامر البسيط، بل هو عملية اشبه بمخاض معقد يكاد يميز هذا “التيار” عن بقية الأحزاب ال#لبنانية، اذ خلال الأعوام التي خلت، شهد “التيار” تحولات استراتيجية في سياسته وتنظيم بيته الداخلي وتظهير صورة كوادره الذين هم أيضا تبدّلوا خلال ثلاثين عاما… ليس فقط بالوجوه والاسماء، وانما أيضا “بالبروفيل العوني” والسّمات… هذه الجردة ربما ستكون، في المستقبل، ملك التاريخ وحده الذي سيستطيع ان يطلق حكمه الكامل على تلك التجربة التي قطعت يوبيلها البرونزي…




انما ان تكتب عن سيرة “التيار الوطني” خلال عهد الرئيس #ميشال عون، فليس أيضا بتقويم سهل. ولعلّ السؤال الذي يكاد يختصر معادلة “التيار – العهد” هو: هل أكل الأخير من رصيد “التيار” كحزب ام ان العكس هو الصحيح؟!

هي معادلة ثلاثية تظلّل علاقة “التيار” في ظل عهد عون: تنظيميا، نيابيا ووزاريا. محاور ثلاثة تجعلنا نسأل ما الذي تغيّر، خلال الأعوام الستة من العهد، في حزب “التيار الوطني الحر”؟

التنظيم والانتساب
ليس رئيس “التيار” هو وحده الذي تبدّل خلال ولاية عون الرئاسية. فالحزب الذي أوصل رئيسه الى اعلى سدة الحكم في لبنان، لم ينأَ بنفسه عن شظايا داخلية كثيرة بدأت تنخر جسمه. وليس حراك 17 تشرين الأول 2019 هو الفتيل الأول لتلك الشظايا، وان كان سرّع كثيرا في ضرب صورة رئيس الحزب الوزير جبران باسيل، وخصوصا ان الحراك في بداياته، صوّب كثيرا عليه، لئلا نقول تقصّده من بين مسؤولين آخرين…

الا ان الشظايا الداخلية في جسم “التيار” كانت قد بدأت قبل ذلك بكثير، انما وصول عون الى قصر بعبدا، جعل من ذلك الجسم اكثر وهناً داخلياً مما كان عليه يوم كان عون على رأسه. فما جمعه الاخير حوله لا يستطيع ان يجمعه باسيل. وهذا بالامر البديهي. تماما، كما ان انتقال أي حزب او طرف من صف المعارضة الى مركز القرار والمسؤولية يخسّره الكثير من رصيده الشعبي او التأييدي، وهذا ما حصل تماما مع “التيار” الذي كان في ابهى قوته أيام الاحتلال السوري لانه رفع لواء المعارضة والرفض والتحرير، ومن ثم خفت وهجه بعد عودة عون الى لبنان ونسج بعض التحالفات التي يعتبرها البعض من “عدّة الشغل” السياسي اللبناني، الى ان تراجع الوهج اكثر مع وصول عون الى الرئاسة الأولى وما رافق ذلك من حراك وتظاهرات، وصولا الى واقع سياسي اجتماعي – معيشي – مالي غير مسبوق.

كل ذلك أخذ الكثير من رصيد “التيار”. انما في المقابل، ثمة من يعاكس هذه الصورة تماما، فيعتبر ان “التيار، وعلى رغم المعركة الكونية عليه والعقوبات، صمد وتكامل مع العهد”.

تنظيميا، يشرح امين سر “التيار” جهاد سلامة لـ”النهار” بعض الجوانب التي اعادت ترتيب هيكلية البيت الداخلي خلال الأعوام الخمسة الأخيرة. بالأرقام يفند: “على عكس ما يعتقده البعض، فان أعداد المنتسبين ارتفعت خلال الأعوام الأربعة، أي بين 2018 و2022، اذ زاد العدد 11 الف منتسب و609. في الـ2018، كان 28 الفا و971، وفي الـ2022 بلغ عدد المنتسبين الى الان، 40 الفا و580”.

وفيما اكمل “التيار” ترتيب بيته عبر عمليتين انتخابيتين داخليتين كل اربع سنوات، (الأولى عام 2015 والثانية عام 2019)، ترافق ذلك مع انتخاب مجالس سياسية وتحكيم ومجالس اقضية ومجلس وطني.

كل ذلك يبرر، وفق سلامة، ان “التيار وعلى عكس ما يشاع، استطاع ان يواصل ترتيب هيكليته التنظيمية، وفق الأصول الديموقراطية الانتخابية، وان عدد الانشقاقات في الأعوام الأخيرة كان ضئيلا جدا، مقابل مسألة مهمة هي ان أعداد المنتسبين ارتفعت بعد حراك 17 تشرين ما بين 4 آلاف و5 آلاف منتسب، اذ سجل عام 2019 – 2020 وحده انتساب 3 آلاف و500 شخص، على رغم كل الضبابية والحملة الشرسة ضدنا”.

نيابيا – وزاريا
كثر عوّلوا على خسارة “التيار الوطني” في الانتخابات النيابية الأخيرة، وتحديدا راهنوا على خسارة رئيسه بالذات. النتيجة أتت عكس الرهان، الا ان “التيار”، كحزب، مُني بتراجع كبير في كل الدوائر الانتخابية الـ15، وليست جزين هي المثال الوحيد الصارخ، انما عدد كبير من النواب، من بينهم وزراء سابقون، تراجعوا “دراماتيكيا” في دوائرهم بين دورتي 2018 و2022، من ناحية عدد الأصوات والمراكز التفضيلية التي احتلوها.

في دورة 2018، نال “التيار” 21 نائبا صافيا، ومن ثم اصبح 29 نائبا مع عدد من الحلفاء، قبل ان ينسحب عدد منهم في الأعوام الأخيرة.

اما في دورة 2022، فقد نال “التيار” 17 نائبا (نواب تيار حزبيين)، ليصل الى 21 نائبا مع حلفاء له.

يعلّق سلامة: “التيار باشر اجراء ورشة عمل داخلية مع الاقضية واللجان المركزية لتقويم تجربة الانتخابات، في كل الدوائر، ورصد مكامن الخلل والضعف ووضع توصيات واستراتيجيات للسنوات الاربع المقبلة. انما كقراءة أولية، فانه ومقارنة بالمعركة الكونية التي سيقت ضدنا والحرب الإعلامية وفرض العقوبات علينا، استطعنا حصد نتيجة إيجابية، بإمكانات مالية ودعائية متواضعة”.

في الأساس، ليس في شكل “التيار” النيابي الكثير من التغيّرات التي اختلفت في الأعوام الخمسة الأخيرة، فهو حافظ على رئاسة لجنة المال والموازنة، كاحدى اهم اللجان النيابية الـ16، وعلى مركز احد اميني السر في هيئة مكتب مجلس النواب.

وبمعزل عن لعبة الأرقام في اعداد التكتلات النيابية ومقارنتها بعضها ببعض، فان ما فعله “التيار” كتكل نيابي خلال الأعوام الأخيرة، لم يحبذ اكثر من نائب داخله التعليق عليه الآن، او تقويم التجربة سلبا وايجابا، في انتظار انتهاء ولاية عون بعد أربعة اشهر.

ولعلّ عبارة احدهم (فضّل عدم ذكر اسمه)، الأكثر دلالة، اذ قال: “سنتكلم بعد أربعة اشهر، عندما تنتهي فعليا التجربة الرئاسية. ولكن معركة عزلنا لم تنجح”.

وكأن شعار “ما خلّونا” هو الحاضر الدائم للتبرير. هي معركة “عزل” بالنسبة الى “التيار”، لكنها في نظر البعض الآخر، وليسوا كلهم خصوما، هي “تجربة فاشلة” غيرت الكثير من معالم “التيار” – الحزب.

واكثر ما جعل ذاك الرصيد يضعف، هو التجربة الوزارية. في عهد عون الرئاسي، تشكلت اربع حكومات (الى الان)، الأولى والثانية كانتا برئاسة الرئيس سعد الحريري، الثالثة برئاسة حسان دياب، والرابعة برئاسة نجيب ميقاتي، فيما الخامسة على الطريق… وبين هذه الحكومات، اعتذاران، الأول للرئيس المكلف السفير مصطفى اديب، والثاني للرئيس الحريري.

في كل هذه التجارب، تراجع التمثيل الحزبي الصافي لوزراء “التيار الوطني”، لكن النفوذ لم يتراجع في عدد من الوزارات الحيوية، وفي مقدّمها وزارة الطاقة. ربما هي مشكلة الكهرباء وحدها كفيلة بجعل “التيار” يتراجع في الأداء الوزاري اشواطا واشواطا في الأعوام الأخيرة، وتُشن عليه الهجمات والتهم.

قد تكون الأشهر المقبلة هي الفترة الفاصلة للحكم الفعلي على ولاية عون وتقويم تياره لمعرفة من أخذ من رصيد الآخر؟! هل هي بالفعل علاقة تكاملية في “السرّاء والضرّاء”، ام ان احدهما خسّر الآخر كثيرا؟!