هوكشتاين يسابق التصعيد ولبنان يفرّط بالخط 29… مسيّرات “حزب الله” فوق كاريش رسائل إقليمية!

ابراهيم حيدر – النهار

على الرغم من انعقاد الاجتماع التشاوري لوزراء الخارجية العرب في بيروت، إلا أن وقائعه لا تشير إلى اهتمام عربي استثنائي بالوضع اللبناني، أو اعتبار لبنان أولوية ضمن الملفات الشائكة في المنطقة، وإن كانت اللقاءات شددت على أهمية الاستقرار في البلد. لم تظهر مؤشرات على تغطية عربية لموقف لبنان من ترسيم الحدود، وأيضاً لا يبدو أن هناك ضغوطاً لتشكيل الحكومة، انما التركيز هو على الاتفاق مع صندوق النقد، والتشديد على إنجاز الإصلاحات. وفي المقابل هناك مساع لقوى الممانعة لتوحيد جبهة المحور، حيث تندرج زيارة إسماعيل هنية إلى بيروت في هذا الاطار وتركيز “حزب الله” على العلاقة مع دمشق. ولا ينفصل ملف الترسيم عن هذا الوضع، حين أطلق الحزب طائرات مسيرة لاستطلاع المنطقة البحرية المتنازع عليها مع إسرائيل بالتزامن مع انعقاد الاجتماع العربي في بيروت.




وبينما يستمر الصراع على الحكومة، عاد ملف الحدود البحرية بين لبنان وإسرائيل إلى الواجهة، بعدما أعلنت واشنطن أن المبعوث الأميركي لشؤون أمن الطاقة العالمي آموس هوكشتاين أحرز تقدماً مع المفاوضين الإسرائيليين. وجاءت عملية اطلاق “حزب الله” لمسيراته فوق حقل كاريش كرسالة تندرج في اطار الضغط على التفاوض، وفق مصدر سياسي متابع، واستعراض القدرات للتدخل في أي لحظة إقليمية مواتية تصل فيها مفاوضات المنطقة إلى طريق مسدود. ويبدو وفق المصدر أن تبني “حزب الله” للعملية، لا يرتبط برد مباشر على ما ابلغته إسرائيل لهوكشتاين، إنما للقول أن هذا الملف هو بعهدة الحزب واي تقدم فيه لن يمر دون موافقته، وهي أيضاً رسالة إيرانية في غير اتجاه، على الرغم من أن هناك أجواء إيجابية حول الترسيم، حملتها السفيرة الأميركية دوروثي شيا إلى المسؤولين اللبنانيين.

تشير المعلومات إلى أن إسرائيل لم ترفض ما تقدم به لبنان إلى هوكشتاين، لكن الامور مفتوحة على أكثر من احتمال، فهي وضعت شروطاً أبرزها الخط المتعرج، والحصول على مساحة موازية لمساحة حقل قانا. وجرى تسريب معلومات أنها تطالب بأن يدفع لبنان مبالغ لقاء تنازلها عن حصتها من قانا، وهذا في حد ذاته يعقد استئناف المفاوضات، لكنه لا يؤدي إلى تفجير المنطقة، طالما أن الأميركيين يريدون الحفاظ على الاستقرار في الجبهة الجنوبية ويصرون أيضاً على انجاز ملف الترسيم.

لكن الامور لا تزال في بدايتها، فرغم الاستعجال الاميركي للترسيم، إلا أنه يطرح تساؤلات عما إذا كان هوكشتاين قد تمكن فعلاً تذليل العقبات لاستئناف المفاوضات اللبنانية – الإسرائيلية غير المباشرة، أو أنه ركز على منع التصعيد، والإبقاء على الستاتيكو القائم تحضيراً لجولات مقبلة. لذا سيكون التفاوض، وفق المصدر السياسي طويلاً ومعقداً، وقد يتخلله تصعيد بين “حزب الله” وإسرائيل لتحسين شروط لا تتعلق فقط بالترسيم انما بملفات إقليمية. ويقول المصدر، إن الأولوية الأميركية هي للغاز والنفط في المنطقة، لكنها لا تضع لبنان ضمن حساباتها، والدليل على ذلك أن شركات التنقيب الدولية تواجه صعوبات في لبنان الذي لم يتمكن من التقدم خطوة واحدة في مجال التنقيب.

المشكلة أن الاميركيين بتركيزهم على ملف الترسيم، يؤكدون أن لا حل في البلد إلا من بوابته، وهذا يعني وفق المراقبين وجهات عدة أن الأزمة مستمرة، وتنعكس استنزافاً للبلد في مختلف ملفاته خصوصاً الحكومة والرئاسة، إذ أن ملف الغاز والنفط هو مشكلة عالمية وسيؤدي الى اصطفافات بين محاور المنطقة، يدفع لبنان ثمنها.

الوقائع تشير إلى أن إسرائيل التي دفعت بالسفينة اليونانية إلى حدود الخط 29، وبدأت بتجهيز منصاتها، يمكنها البدء باستخراج الغاز خلال ثلاثة إلى أربعة أشهر، أي قبل حلول فصل الشتاء، وبالتالي تراهن على تصديره إلى أوروبا المأزومة في مجال الطاقة، ليحل مكان الغاز الروسي. وإذا كان الرد الإسرائيلي على الموقف اللبناني الذي أُبلغ لهوكشتاين، يفتح الطريق نحو تفاوض طويل، إلا أن التعقيدات تبدأ بالاصرار الإسرائيلي على الخط المتعرج الذي يرفضه لبنان في الأساس، ما يعني العودة إلى نقطة الصفر.

لبنان في هذه الحالة يخسر على أكثر من صعيد. إذا بقي الوضع على ما هو عليه قد تبدأ إسرائيل باستخراج الغاز خلال أشهر، فيما المسؤولون اللبنانيون يصرون في موقفهم على الخط 23 وحقل قانا، من دون أن يكون لبنان قد حدد نقطة انطلاق رسمية لحقوقه لدى المجتمع الدولي. وهذا يعني أن تهديدات “حزب الله” بتفجير المنصة الإسرائيلية أو بقصفها إذا بدأت باستخراج الغاز، غير مغطى لبنانياً لكنه مفتوح على كباش إسرائيلي – إيراني، فلبنان لا يستند إلى أي ملفات في الأمم المتحدة، ما دام الموقف اللبناني الذي أُبلغ للأميركيين لم يشمل حقل كاريش ولا الخط 29، وبالتالي فقد لبنان حقه بالمطالبة بحصة في حقل كاريش.

ضمنت إسرائيل حقل كاريش كاملاً. فلبنان لم يطالب بحصة منه بتنازله عن الخط 29، فيما تقدم الإسرائيليون للمطالبة بحصة لهم من حقل قانا والخط 23، أي الـ860 كيلومتراً مربعاً، وإن كان الأميركيون قد يضغطون لمنح لبنان هذه المساحة في مقابل تمكن إسرائيل من استغلال كاريش والبدء باستخراج الغاز. أما الخطر في ضعف الموقف اللبناني فهو أنه يمكّن إسرائيل من التسلل من ثغراته والمطالبة بحصة من حقل قانا الممتد بين الخطين 23 و29، وهو مطلب يتطابق مع الخط المتعرج الذي اقترحه الأميركيون. وهكذا يبقى التفاوض قائماً، فيما تصعيد “حزب الله” أو إسرائيل يبقى محدوداً، لكنها تستطيع الاستفادة من حقل كاريش.

حتى الآن لا يبدو أن الحرب باتت خياراً وحيداً، فالظروف الإقليمية والدولية غير مواتية للتصعيد، إذ إن الوضع اللبناني المتدهور والأزمة في إسرائيل الذاهبة إلى انتخابات مبكرة، تؤكد أن لا أحد يريد حرباً الآن، خصوصاً أن هناك حراكاً أميركياً في المنطقة، إن كان في زيارة الرئيس جو بايدن أو عبر وسطاء، إضافة إلى لقاءات القمة بين أكثر من زعيم في المنطقة. ولا يبدو أن التهديدات المتبادلة بالتفجير والتدمير، قد تذهب إلى الحرب، بل هي محاولة لتحسين الشروط، إلا إذا خرجت الأمورعن سياقها…