ولادة الحكومة اللبنانية الجديدة رهن أجندات ميشال عون

قالت مصادر سياسية لبنانية إن الإفراج عن الحكومة اللبنانية الجديدة رهن أجندات الرئيس ميشال عون الساعي إلى أن يضمن لفريقه “التيار الوطني الحر” حصة وازنة، استباقا لفراغ رئاسي محتمل تتولى بموجبه الحكومة الجديدة إدارة مؤسسة رئاسة الجمهورية.

وألمح رئيس الوزراء المكلف نجيب ميقاتي السبت إلى ذلك بالقول “أقول إنني شكلت حكومة وأرسلتها إلى رئيس الجمهورية، وإذا كان راغبا في تعديل شخص أو شخصين فلا مانع لدي، لكن لا يمكن لفريق القول ‘أريد هذا وذاك’ وفرض شروطه، وهو أعلن أنه لم يسم رئيس الحكومة”، في إشارة غير مباشرة إلى التيار الوطني الحر.




وعارض رئيس التيار الوطني الحر جبران باسيل، وهو أيضا صهر عون، تزكية ميقاتي لتشكيل الحكومة اللبنانية الجديدة.

وكان ميقاتي قدّم الأربعاء الماضي للرئيس عون تشكيلة حكومية مقترحة، ووعد عون بدراستها.

من المفترض أن تكون فترة تشكيل الحكومة الجديدة قصيرة جدا، في حال كانت هناك رغبة في أن تبصر الحكومة النور

وكُلّف ميقاتي بتشكيل حكومة جديدة بناء على نتيجة الاستشارات النيابية التي أجراها الرئيس عون في الثالث والعشرين من يونيو الماضي، حيث حصل ميقاتي على 54 صوتا من أصوات النواب البالغ عددهم 128.

وكانت حكومة نجيب ميقاتي السابقة التي تشكلت في العاشر من سبتمبر الماضي أصبحت حكومة تصريف أعمال، بعد بدء ولاية مجلس النواب الجديد في الثاني والعشرين من مايو الماضي. وعلى الحكومة، بعد التشكيل، أن تنال ثقة المجلس النيابي بعد مناقشة بيانها الوزاري.

وفي الوقت الذي كانت فيه غالبية القوى تتحدث عن صعوبة في عملية تشكيل الحكومة المقبلة، بالنظر إلى عاملي الوقت والمطالب، أحرج ميقاتي عون بسرعة عرض الكابينة الوزارية، وهو ما يخرجه من دائرة التعطيل برمي الكرة في ملعب الرئيس ليقرر المسار الذي ستسلكه عملية التشكيل.
ومن حيث المبدأ، من المفترض أن تكون فترة التشكيل قصيرة جدا، في حال كانت هناك رغبة في أن تبصر الحكومة النور، نظرا إلى أنّ التركيز، بشكل كامل، سينتقل في شهر أكتوبر إلى الاستحقاق الرئاسي.

واعتمد ميقاتي في التشكيلة التي قدّمها لعون على حكومة تصريف الأعمال الحالية مع إدخال بعض التعديلات عليها، بهدف عدم الدخول في مسار طويل من الأخذ والرد، لكن مراقبين يقولون إن ميقاتي ارتكب في عرف رئيس الجمهورية خطأ، يتمثّل في تقديم تشكيلة من دون أيّ تشاور مسبق معه، في حين أنّ عون، منذ انتخابه رئيسا، يقاتل لتكريس صلاحيته في عملية التشكيل.

وقال عون قبل التكليف “لم يعد في الإمكان القبول بأفرقاء يسمّون وزراء سياسيين، ونحن نسمّي وزراء تكنوقراطيين. إما كلها من تكنوقراط، وليس على غرار الحكومة الحالية بعض وزرائها مقنّعون، أو حكومة سياسية”.

وتمثل خطوة ميقاتي عامل ضغط على عون أو فريقه السياسي، نظرا إلى أنها ستضعه في موقع المعرقل، في حال حصول أيّ تأخير في عملية التشكيل، على قاعدة أن رئيس الحكومة المكلف لم يتأخر في تقديم التشكيلة التي يراها مناسبة خلال ساعات، الأمر الذي يبرّر عدم التعامل بسلبيّة كاملة مع هذه الخطوة بشكل علني، بل تمّ الإعلان عن أن رئيس الجمهوريّة سيعمد إلى دراسة التشكيلة.

ويؤكد محللون أن ملاحظات رئيس الجمهورية على التشكيلة الأولى لن تتأخر في الظهور، أي أنها لن تكون الأخيرة التي تقدّم من قبل رئيس الحكومة المكلّف، لكن الأكيد أنّ النّية بالتشكيل تتطلب التمهيد المسبق، الأمر الذي لم يحصل حتى الآن، بالإضافة إلى الخروج من دائرة تسجيل النقاط.

ويشير هؤلاء إلى أنه رغم الخيارات الواسعة التي عرضها عليه رئيس الجمهورية فإن ميقاتي بقي مصرا على ‏التشكيلة التي تقدم بها، ‏والتي أقل ما يقال فيها أنها استفزازية لفريق عون.

وأضافوا “ففيما أبقى على جميع وزراء الحكومة المستقيلة محترما توازناتها ضمن التشكيلة الجديدة، حصر ميقاتي التغيير في الحقائب والأسماء بثلاثة وزراء من فريق رئيس الجمهورية من دون استشارته”.

ويقول المحسوبون على التيار الوطني الحر إنّ ميقاتي يفتعل سجالا بمحاولته رمي الكرة في ملعبهم، من خلال تقديمه صيغة حكومية يدرك سلفا أنّها محكومة بالسقوط، إذ إنه يعرف أن رئيس الجمهورية لا يمكن أن يقبل باستهداف التيار من خلال مداورة لم تشمل سوى حقيبة الطاقة.

وتوحي كلّ المؤشرات بأنّ لبنان دخل فعلا في أزمة تشكيل تشبه كلّ الأزمات السابقة، فيما تسابق بيروت الزمن لمعالجة الاستحقاقات الاقتصادية والاجتماعية الداهمة.

وتلفت مصادر نيابية إلى الخطورة المترتبة على هدر الوقت في حال لم تشكل الحكومة قريبا لإنجاز الاتفاق مع صندوق النقد الدولي، خصوصا أن مندوبه يقيم حاليا لفترة طويلة في لبنان، وعلى لبنان أن ينتهز فترة وجوده لإعداد كل ما هو مطلوب من الحكومة للوصول معه إلى اتفاق نهائي يتيح الانتقال إلى مرحلة التعافي.

وأدى الانهيار الاقتصادي المستمر منذ نحو ثلاث سنوات إلى فقدان الليرة لأكثر من 90 في المئة من قيمتها، وزيادة الفقر وشلّ النظام المالي وتجميد أموال المودعين، جراء أسوأ أزمة منذ الحرب الأهلية التي دارت بين عامي 1975 و1990.

ودعت مجموعة الدعم الدولية أفرقاء لبنان إلى الإسراع بتشكيل حكومة تستطيع تنفيذ الإصلاحات، والالتزام بالمهل الدستورية لإجراء الانتخابات الرئاسية.

وأصدرت المجموعة مؤخرا بيانا جاء فيه “لا يستطيع لبنان ومواطنوه تحمل الشلل السياسي نظرا إلى التحديات الاقتصادية والاجتماعية القاسية”.