أي مكامن قوة يستند إليها ميقاتي في مواجهة العهد؟

سابين عويس – النهار

لم يكن مفاجئاً ان يسارع الرئيس المكلف تشكيل الحكومة #نجيب ميقاتي الى تقديم مسودة غداة انتهاء استشاراته غير الملزمة في المجلس النيابي، على قاعدة إظهار حرصه على عدم اضاعة الوقت في وضع اكثر من صيغة حكومية، فيما عمر الحكومة لن يتجاوز المئة يوم.




ولم يكن مفاجئاً ان يعمد الى تعديلات طفيفة على حكومته المستقيلة، انطلاقاً من اقتناعه، كما غالبية الكتل التي استمع اليها، بأن العمر القصير للحكومة العتيدة لا يرفع سقف الطموح الى تشكيل حكومة وازنة قادرة على مواكبة التحديات الجمة التي تواجه البلاد. باعتبار ان هكذا حكومة يجب ان تولد مع بداية عهد جديد وليس على أبواب افول عهد يستعد سيده للرحيل.

لكن المفاجأة جاءت من حيث لم يكن فريق هذا العهد يتوقعه. اذ اقدم ميقاتي على اجراء تعديل مهم في حصة هذا الفريق من خلال انتزاع وزارة الطاقة من يده ومنحها لشخصية سنية غير سياسية.

يعي ميقاتي ان إجراء كهذا لن يسهل عليه مسار التأليف، كما انه سيثير موجة عارمة من الاستياء بعدما عمد الفريق العوني على مدى اكثر من عقد على “تطويب” هذه الحقيبة له، وهو خاض معارك شرسة لمنع انتزاعها منه تحت مبرر انه الوحيد القادر على معالجة ازمة الكهرباء ولكن “ما خلوه”، وهو لهذه الغاية في سعي دائم الى محاولة الإنجاز في هذا القطاع رغم ان الفشل كان دائماً حليفه، حتى بدأت الشكوك تحوم حول أسباب تعلق التيار البرتقالي بهذه الحقيبة، وهل هو متصل بمكاسب محققة او محتملة مع اقتراب انجاز ملف الترسيم، او بالتغطية على اداء ادى الى تكبيد الخزينة عشرات المليارات من الدولارات ولا يزال.

أياً تكن الأسباب الكامنة وراء تمسك التيار الوطني الحر بهذه الحقيبة، فإن اقتراح ميقاتي انتزاعها من يده شكل له ضربة موجعة، خصوصاً بعدما أيقن ان المقايضات التي اشترطها للتنازل لم تجد لها سبيلاً.

من الواضح ان التعديلات التي اقترحها ميقاتي على حكومته وأودعها رئيس الجمهورية لن ترى النور، وان الحكومة العتيدة بالشكل المقترح لن تولد. هذا ما عكسته اجواء لقاء بعبدا أمس بين الرئيسين، وهذا ما ستكون عليه اجواء لقائهما المقبل الذي رُحل الى الأسبوع المقبل رغم ضيق الوقت. فوفق المعلومات المتداولة ان لقاء الامس اتسم بطابع المصارحة والعتب، وقد تلقف رئيس الجمهورية الوضع بتقديم بعض الاقتراحات التي لا تخرج عن الخيارات المطروحة امام اي رئيس مكلف يرأس حكومة مستقيلة: أما توسيع حكومته الى ٣٠، وأما تطعيمها ببعض الوجوه الجديدة ( كما فعل ميقاتي) ولكن مع الحفاظ على توازنها وأما ابقاء القديم على قدمه وتفعيله. وتوسيع مروحة الخيارات لن يكون لمصلحة التعجيل في انجاز التأليف، بل على العكس فتح الباب امام مزيد من المماطلة والتعطيل وهدر الوقت!

في الانتظار، لا يبدو ميقاتي مستاء، رغم معاتبته رئيس الجمهورية عَلى تسريب المسودة الحكومية. ولهدوئه ما يبرره.

فهو بداية مطمئن الى موقعه كرئيس مكلف الى جانب كونه رئيس حكومة تصريف اعمال، وهذا سيعطيه أفضلية على رئيس الجمهورية عند انتهاء الولاية الرئاسية بعد بضعة أشهر، فيما لو اخرج اجتهادات دستورياً وقرر البقاء في بعبدا تحت ذريعة لعدم تسليم البلاد للفراغ.
كما انه غير مستعجل على التأليف، بعدما رمى كرة التعطيل في مرمى بعبدا، رافعاً أي مسؤولية عن كاهله في هذا المعنى. وهو مستمر في القيام بدوره حيال إدارة الأزمة. فبعدما عجٓل في اقرار خطة التعافي الاقتصادي والمالي، يعمد اليوم الى ادخال تعديلات عليها مبرراً ذلك بأنه نتيجة المراجعة الدورية مع صندوق النقد الدولي، علماً ان التعديلات التي يقترحها من شأنها اذا صح ما نُقل عن مناقشات لجنة المال والموازنة ان تنسف الخطة وتعيد رسم بنودها من جديد.

وللرجل مبرراته في الاطمئنان الى موقعه، وهو الذي يضع التفاوض مع الصندوق سيفاً مسلطاً على عمل أي حكومة، خصوصاً وانه هو من وقع الاتفاق الأولي وعليه بالتالي ان يكون حاضراً وموجوداً لتوقيع البرنامج في صيغته النهائية.

لا يخشى ميقاتي على موقعه رئيساً مكلفاً فيما العهد يقضي أشهره الاخيرة، معولاً على ان يكون صموده امام الشروط التعجيزية والتعطيلية التي يواجهها مفتاحه الى ترؤس أولى حكومات العهد المقبل.

وابرز النقاط التي يتسلح بها عند تقديم أوراق اعتماده للمرحلة المقبلة، عدم تنازله عن صلاحيات رئاسة الحكومة او التساهل في ممارستها، مدعوماً من بيئته وقياداتها السياسية والروحية.

يقدم ميقاتي نفسه على انه يحظى بتوافق عربي ودولي حوله لقيادة المرحلة الراهنة. وحرص اوساط قريبة منه على الإشارة الى دعم فرنسي وعدم ممانعة سعودية، رغم ان غالبية زوار العاصمة الفرنسية لا يلمسون اهتماماً فرنسياً استثنائياً بالملف اللبناني او من خارج السقف التقليدي في ظل الضغوط التي يتعرض لها سيد الاليزيه غداة خسارته الغالبية البرلمانية التي تطلق يده في الحكم.