الدكتور داود الصايغ

الاستـشارات النيابية الملزمة لرئيس الجمهورية… وللنواب – داود الصايغ – النهار

في شهر تشرين الأول ١٩٦٢ أراد الرئيس الفرنسي #شارل ديغول حلّ الجمعية الوطنية الفرنسية تمهيداً لعرض مشروع استفتاء شعبي يُتيح انتخاب رئيس الجمهورية مباشرةً من الشعب، وذلك نتيجةً لأسبابٍ وعوامل داخلية وخارجية. ولكن الدستور الفرنسي وفق المادة ١٢ منه يُلزم رئيس الجمهورية قبل اتخاذ قرار الحلّ بأخذ رأي كلّ من رئيس الحكومة (الوزير الأول) ورئيسي مجلسي النواب والشيوخ.

ويومذاك كان يرأس مجلس الشيوخ الفرنسي شخص من أصول مستعمرات غويانا الفرنسية تدرّج إلى أن أصبح بعد حياةٍ حافلة رئيساً لمجلس الشيوخ الفرنسي. وبالرغم من أنه ساهم بعودة الجنرال ديغول إلى السلطة عام ١٩٥٨، إلا أنه كان من أعنف المعارضين لمشروع ديغول الأخير هذا إذ وقف في مجلس الشيوخ واتهمه بمصادرة السلطة “Forfaiture”. ولم يغفر له ديغول ذلك. ولكن الدستور يوجب عليه في موضوع حلّ الجمعية الوطنية أي مجلس النواب أخذ رأيه. فاستقبله وبعدما جلس قال له: حضرة الرئيس الدستور يُلزمني بأخذ رأيك في موضوع حلّ الجمعية الوطنية.




فأجاب مونّرفيل: إني أرفض ذلك.

واكتفى ديغول إذ ذاك بالقول: شكراً حضرة الرئيس. وانتهت بذلك واحدة من أقصر مقابلات بين مسؤولَين فرض عليهما الدستور وجوب التشاور. لأن ما كان بينهما من نفور حال دون التـشاور الحقيقي ومتابعة الحديث.

بالطبع إن المشورة هذه تختلف عمّا هو الحال عندنا في موضوع الاستشارات النيابية الملزمة لرئيس الجمهورية في سبيل تسمية رئيس مكلّف لتـشكيل الحكومة. وهذا ما سيأتي ذكره لاحقاً. ولكن وجه الشبه الأساسي هو في إلزامية التشاور.

التشاور والمشورة والاستشارات والمشاركة في الرأي تسمياتٌ لحالاتٍ عرفتها مختلف البلدان ماضياً وحاضراً. كما عرفت بعض الأنظمة الحديثة وظيفة رسمية لمستشار أو مستشارين في حقولٍ معينة. وهذا لا يزال ساري المفعول. والبحث السياسي والفكري حول دور المستشارين وتأثيرهم على أصحاب القرار في الأنظمة السياسية المختلف لا يزال سارياً أيضاً. إذ عادةً ما يُحمّل المستشار قرارات رئيسه الخاطئة. وأقرب حادثةٍ في هذا الشأن هو ما حصل مع الرئيس الفرنسي جاك شيراك عام ١٩٩٧ عندما أدار أذنه لأحد مستشاريه يومذاك دومينيك دو فيلبان بوجوب حلّ الجمعية الوطنية فكان أن خسر الأغلبية واضطُر إلى المساكنة مع رئيس وزراءٍ اشتراكي لمدة خمس سنوات.

على الصعد الإقليمية والدولية التشاور هو السمة الأساسية للاجتماعات. لأن العملية التشاورية هي جزء أساسي في مسار اتخاذ القرار. فهما مترابطان حتماً. إذ لا يجري التشاور بدون مسوّغٍ. بل على العكس من ذلك لأنّ هنالك قراراً يُفترض اتخاذه يتمّ اللجوء إلى الاستشارة قبله. وهنا يُعتبر التشاور مؤشراً لإطلاق مسار اتخاذ القرار، بأي موضوعٍ كان وعلى أي صعيدٍ كان.

ولا لزوم هنا المُضي في التفسيرات اللغوية والقانونية والاجتهادات التي خُصص لها في دول الحق أبحاثٌ ومؤلفاتٌ لا تُحصى عن الترابط والتداخل (Interdépendance) بين الاستشارة والقرار فهذا بحثٌ آخر.

في ما يعود إلى المادة الدستورية ٥٣ من الدستور اللبناني المعدّل التي تذكر في الفقرة الثانية منه عن صلاحية رئيس الجمهورية: “يُسمّي رئيس الجمهورية رئيس الحكومة المكلّف بالتشاور مع رئيس مجلس النواب استناداً إلى استشاراتٍ نيابية مُلزمة يُطلعه رسمياً على نتائجها”. عملية التشاور هنا لها ثلاثة أطراف: رئيس الجمهورية والنواب ورئيس المجلس النيابي. وليس هنالك في الدستور نصوص أُخرى رفعت عملية التشاور إلى المرتبة الدستورية. وبالتالي ماذا يجب أن يحصل وماذا حصل بالفعل، وكيف امتنع ستة وأربعون نائباً عن التسمية في اجتماعاتهم الأخيرة مع رئيس الجمهورية التي أدّت إلى تكليف الرئيس نجيب ميقاتي.
سؤالٌ لا بدّ من طرحه في ما يتجاوز تعبير “الاستشارات الملزمة” التي تعود إلى رئيس الجمهورية والتي جاءت في سياق التعديلات الدستورية المنبثقة عن وثيقة الوفاق الوطني في ما عُرف بإعادة توزيع الصلاحيات وإناطة السلطة الإجرائية بمجلس الوزراء، بعدما كانت منوطة برئيس الجمهورية، وتقييد صلاحيته باختيار رئيس الحكومة بعدما كانت استنسابية في ظلّ الدستور السابق. وكذلك عدم قبول رؤساء الحكومة المكلّفين من ثمَّ بمبدأ ترك بعض النواب لرئيس الجمهورية حرية القرار، وتجيير هذه الأصوات لصالح من يريد أو من يحظى بالأكثرية، وبالتالي باتت تسمية الرئيس المكلّف خاضعةً لاختيارات النواب لمرشّحهم في اجتماعاتهم مع رئيس الجمهورية.

بالطبع إن الدستور لم يلحظ حالات الامتناع عن التسمية، فالدساتير عندنا وعند غيرنا، لا تلحظ كلّ الحالات. أولاً لأن المشترع الدستوري يفترض في مختلف الأحوال حُسن النوايا لدى المسؤولين على أي مستوى كان، وثانياً لأن الأعراف تساعد في سدّ بعض الثغرات عندنا وعند غيرنا، والأمثلة عديدة.

لا بدّ من التساؤل هنا على الصُعد الدستورية والقانونية والعملية عمّا إذا كان الامتناع عن التسمية هو نوعٌ من ورقة بيضاء لم توضع في صندوقة الاقتراع، كما حصل في الانتخابات الأخيرة لنائب رئيس المجلس وفق المادة ٤٤ من الدستور، إذ كان هنالك مرشحان معلنان. وكان النائب المقترع له الحرية باختيار أحدهما أو التصويت بورقة بيضاء كتعبيرٍ ربما عن رفضه للإثنين. وقد سبق حتى في انتخابات رئاسة المجلس أن أدلى بعض النواب بأسماءٍ من خارج مجلس النواب. فالنواب هنا يصوّتون إما لهذا المرشح أو ذاك، وإما لشخصٍ آخر وإما بورقةٍ بيضاء. إذ أن صندوقة الاقتراع تمرّ أمامه عند ذكر اسمه ولا يمكنه سوى أن يقترع. هنا لا يمكنه أن يمتنع عن التصويت. ولكن لماذا يمتنع عن تسمية مرشّح لرئاسة الحكومة في لقائه مع رئيس الجمهورية مع العلم أن صوته هنا لا يُحسب بخلاف التصويت بالورقة البيضاء.

التشاور هو بطبيعته مختلف عن الاقتراع. ولكن هنا يفرض السؤال نفسه: ما هي إذاً مهمّة النائب ممثّل الأمّة جمعاء وماذا فعل بتكليف الناخبين له؟

فمهمة النائب هنا لا تخضع للاعتبار السياسي لأن الدستور، القانون الأسمى، هو الذي يُنظّم الحياة العامة ويضبطها. والسياسة هي في خدمة الدستور وليس الدستور في خدمة السياسة. وبالتالي لا يحقّ للنائب التصرّف بالتكليف الدستوري المُعطى له فهو ليس ملكه. أو وفق المصلحة السياسية الآنية أو وفق المزاج السياسي القائم أو لاعتباراتٍ لها علاقة بمعارضة السلطة أو حتى بمعارضة رئيس الجمهورية. ففي هذه الاستشارات ليس هنالك من مرشحين. وإذا كانت نتائج الاستشارات الأخيرة جاءت بين شخصين فالمجال مفتوحٌ بين النواب لتسمية من يريدون من الطائفة السنية. وهذا حصل. أليس في هذه الطائفة كفؤون وإصلاحيون وواعدون؟ فلماذا الامتناع عن التسمية خلافاً عن الهدف الدستوري للاستشارات وهو بلورة الأكثرية التي ستُتيح لرئيس الجمهورية تسمية رئيس الحكومة. إذ لا بدّ هنا من الملاحظة أن عدم تقديم اسمٍ لرئيس الجمهورية هو إخلالٌ بمهام النائب، الذي من صلب مهامه هذه مراقبة عمل السلطة التنفيذية إضافة إلى دوره التشريعي. فكيف يحقّ لنائبٍ أن يُحاسب الحكومة طالما أنه لم يُشارك بتسمية رئيس مجلس الوزراء؟ وإذا كان النواب لبّوا دعوة رئيس الجمهورية للتشاور معهم فما هو الهدف من تلبية الدعوة إذا لم يكن عندهم ما يقولون له.

معارضون. مطالِبون بتغيير النظام. مطالِبون بالإصلاحات. كلّ هذا معروف ولكن أين هم أعضاء هذا المجلس النيابي الذين تعهّدوا بالتغيير؟ هل إن مصيرهم يُشبه مصير الذين تعهّدوا بالإصلاح والتغيير.