أبو الغيط في شهادة فريدة عبر كتابيه: السوريون تنصّلوا من اغتيال الحريري

أحمد عياش – النهار

يصل الى بيروت غدا الأمين العام لجامعة الدول العربية #احمد أبو الغيط لترؤس الاجتماع التشاوري لوزراء الخارجية العربية تمهيدا للقمة العربية التي تنعقد في الجزائر . وقبل وصول الأمين العام ، وصل كتاباه “#شاهد على الحرب والسلم”، و”#شهادتي”. هذان الكتابان اللذان يقعان في قرابة الف صفحة ، يمثلان وثيقتين قلّ نظيرهما في العمل الديبلوماسي، وكم هي أهمية هاتيّن الوثيقتيّن عندما يكون الكاتب وزير خارجية مصر الصاعد من عمق مؤسسة الديبلوماسية المصرية في أدق المراحل في تاريخ المنطقة منذ سبعينيات القرن الماضي لغاية العام 2011 عندما إنطلاق مرحلة ما يسمى “الربيع العربي.”




الكتابان صادران عن “دار نهضة مصر” وتنشر “النهار” ما ورد في “شهادتي” الذي صدرت منه حتى الان الطبعة الحادية عشرة، ما يتعلق بلبنان خلال عاميّ 2004 و2005 ، وفي ما نشر معلومات هي فريدة من نوعها قدّمها وزير خارجية مصر الأسبق، قبل أن يصبح امينا عاما لجامعة الدولة العربية.

ومما جاء في هذا الكتاب: “تنفيذا لمفهومي في التنسيق والتواصل مع سوريا التي لها وضعيتها المهمة والاستراتيجية في الفكر المصري تجاه أوضاع الإقليم العربي ، فقد بدأت إتصالاتي مع السوريين بموافاتهم بتقرير مهم وصل الينا من بعثتنا في نيويورك حول نوايا فرنسية وأميركية ضد سوريا بالنسبة للقرار 1559 الخاص بالوضع في لبنان. ثم التقيت وزير خارجية سوريا(وليد المعلم) بالقاهرة حيث تناولنا بالتقييم المشترك الوضع في لبنان، وأهمية أن تتحسب سوريا من احتمالات إثارة المشاكل لها في لبنان او على حدودها مع العراق بسبب مواقفها مع إيران وتجاه العراق. وكان الهدف تنبيههم ونصحهم وليس تحذيرهم او العمل ضدهم . والتقيت في أيلول 2004 رفيق الحريري الذي كان بطبيعة الحال، يؤيد كل متطلبات القرار 1559، سواء الانسحاب (السوري) من لبنان، أو تناول موضوع سلاح حزب الله . وأخذ الحريري يعبّر عن إنتقادات حادة لسوريا رغم سعيه للحفاظ على علاقات عمل معها.

أصبحت الاتصالات المصرية السورية ذات إيقاع عال . وفي زيارة الى دمشق ، إلتقيت الرئيس بشار الأسد في بداية شباط 2005 ، وكان هناك الكثير من الاحاديث عن عودة سوريا وإسرائيل للمفاوضات المتوقفة منذ عام 2000. وأستفسرت من الأسد عن الموقف في هذا الشأن ، فأفاد أنه يبلغ الجميع بإستعداده للعودة الى المفاوضات، ولكن من النقطة التي توقفت عندها في السابق ، في إشارة الى ما سبق أن حصلت عليه سوريا من إسرائيل بخصوص خط الحدود والانسحاب من الجولان… كان الطرح السوري، طبقا لتحليلي للموقف، هو محاولة تفادي الضغوط الغربية المتصاعدة ضد دمشق في مسألة الانسحاب من لبنان ، وإستخدام المفاوضات مع إسرائيل لتهدئة التحركات الأميركية ضدها بسبب الوضع العراقي.”

أضاف أبو الغيط:” وقع إغتيال رفيق الحريري يوم 14 شباط 2005 أثناء وجودي في واشنطن( 14 شباط بتوقيت الشرق الأوسط.) وكان تقييمي أن هذه الجريمة سيكون لها إنعكاساتها على الموقف في لبنان، وستمثل فرصة للولايات المتحدة وحلفائها في المزيد من الضغط على سوريا بشكل غير مسبوق . وأتلقى إتصالا تليفونيا من فاروق الشرع ( وزير الخارجية السوري) قبل دقائق من لقائي مع وزيرة الخارجية الأميركية كونداليزا رايس ، يطلب فيه نقل رسالة سورية بضرورة ألا تكون ردود الأفعال الأميركية متعجلة، وأنهم في سوريا ، ليس لهم أي صلة بهذا الاغتيال. وأنقل الرسالة الى الوزيرة الأميركية، ويجيء التعليق ، برفض الموقف السوري والتقليل من مصداقيته. ويحضر فاروق الشرع للقاهرة بعد عودتي من واشنطن بعدة أيام. وأقول له أن على سوريا التحرّك بإيجابية في موضوع تنفيذ القرار في موضوع تنفيذ القرار 1559، وأن ردود الفعل في واشنطن ، كانت غير إيجابية في مواجهة سوريا. وأضيف ان عدم البدء في تنفيذ متطلبات القرار ، سيؤدي الى مشاكل لهم في العالم العربي، وأن إغتيال الحريري، سيستخدم كمبرر للهجوم عليهم. ويرد الشرع ، بأنهم سيتفاعلون مع القرار ، لكن سوريا لا تنوي الانسحاب من كل لبنان، بل ستبقى داخل البقاع لحين التوصل الى تسوية للنزاع العربي الإسرائيلي أو السوري الإسرائيلي ، إذ أن تخلي دمشق عن هذه المنطقة ، سيسهل على إسرائيل القيام بعمليات عسكرية تهدد سوريا من هذه المناطق. وأذكر لفاروق الشرع، أن الاميركيين يتحدثون عن التنفيذ الفوري للقرار، في حين أن فرنسا تظهر بعض المرونة ، حيث تتحدث عن التدرج في التنفيذ. ويصمم فاروق الشرع على رؤيته التي نقلها الى الرئيس مبارك معه. وأتحدث من جانبي مع الرئيس، قائلا: إنني إطلعت على نوايا سيئة تجاه سوريا بواشنطن، وأن وجود الاميركيين في العراق ، هو عنصر مهم يجب ألا يغيب عن السوريين. ويعقّب الرئيس بتسخيف الموقف السوري من البقاء في البقاع، بإعتباره مطلبا دفاعيا حيويا لسوريا، ويقول إن إسرائيل، إذا ما رغبت في مهاجمة سوريا ، فهي لن تستخدم القوات البرية ، ولا يتصور انها ستسعى لدخول دمشق ، أو فرض معاهدة سلام على سوريا من خلال المزيد من إحتلال الأراضي السورية، بل ستقوم بعمليات جوية ضد الأهداف السورية الحيوية ، وبما يضعف النظام السوري.”

وتابع :”يلتقي الرئيسان السوري والمصري في #القمة العربية بالجزائر، ويتحدث الرئيس مبارك، في حضوري وزير خارجية سوريا، مع الأسد ناصحا وبقوة أن تنسحب سوريا من لبنان تنفيذا للقرار 1559. ويقول الأسد انه يحتاج لشهور لكي يوجد مقار داخل سوريا للقوات المنسحبة، ويرد عليه الرئيس المصري: نواياهم سيئة تجاهك، وعليك ان تتحرّك ، وسنساعدك للتوصل الى ما يؤمّن سوريا. ونغادر الى باريس لمقابلات رئاسية مصرية-فرنسية، ونطلب من الفرنسيين عدم الضغط الحاد على سوريا التي نعتقد أنها ستنفذ القرار ، وكذلك نيتها في تنفيذ كل عناصر إتفاق الطائف عام 1989.

وأقوم بزيارة إضافية لدمشق للمزيد من الطمأنة والتنسيق مع سوريا ، وأستشعر وجود قدر من العصبية لدى السوريين مع تأكيد نيتهم في تنفيذ الانسحاب من لبنان طبقا للقرار 1559.”

وإستطرد أبو الغيط :”كان الصبر الأميركي في علاقته بسوريا واتهامها بالتدخل في العراق يقترب من النفاد. واخذت الاتهامات تنهال على السوريين ومسؤوليتهم في تدبير إغتيال رفيق الحريري، وأن معلومات المحققين الدوليين تشير الى مسؤولية شخصيات معينة في دائرة الحكم في سوريا لهم يد في قضية الحريري.

وفي لقاء مع ستيفن هيدلي ، مستشار الامن القومي الأميركي الذي حلّ مكان رايس عند إنتقالها الى رئاسة الخارجية الأميركية ، ذكر في نهاية أيلول 2005، ان الولايات المتحدة تأمل في سقوط الأسد الذي يسمح بتسرّب عناصر عربية وإسلامية عبر الحدود الى العراق، وان هذه العناصر هي المسؤولة عن اعمال القتل الجارية.”

وخلص الى القول:”اخذنا نتحدث معهم (السوريين) عن أهمية مراعاة الضيق الأميركي تجاههم بسبب بدء تدهور الوضع العراقي، وأن من المهم قيامهم ببعض الإجراءات تجاه إبعاد بعض المسؤولين الذين يتهمهم الاميركيون تحديدا في مسألة التدخل بالعراق أو لبنان…وبدأ حوار أميركي-سوري حول وضعية الحدود السورية-العراقية ن كما وافق السوريون على المزيد من سيطرة قواتهم على هذه الحدود بعد تزويد الجنود السوريين بأعداد كبيرة من أجهزة الرؤية الليلية البريطانية لمنع التسلل عبر الحدود. ”

هذا غيض من فيض كتابيّ أبو الغيط .