حنا صالح - الشرق الأوسط

لبنان أمام سيناريو تعميم الخراب! – حنا صالح – الشرق الأوسط

ما تواجهه البشرية من مخاطر بات خارج كل التوقعات. وما تسبب فيه الاجتياح الروسي لأوكرانيا بالغ الخطورة وخارج كل تخيل. ها هي أوروبا، تشهد عودة سريعة إلى عصر الفحم الحجري، في محاولة مكلفة جداً للتغلب على الشح في تدفقات الغاز الروسي! وأزمة الغذاء تستفحل عالمياً مع ازدياد النقص في صادرات القمح والذرة، ومرشحة لأن تتفاقم مع الاضطراب العالمي الحاد في توريدات الأسمدة الروسية.

ومع غياب أي مؤشرات على قرب نهاية هذه الحرب، يبرز بقوة التهديد الوجودي لاستمرار أوكرانيا كبلد، وتزداد الخشية حيال حجم التحولات التي سيشهدها العالم. التداعيات ستطال الجميع كباراً وصغاراً في كلِّ جهات العالم الذي لم يحقق التعافي المطلوب من كارثة «كوفيد – 19».




في كل مكان تبدلت الأولويات لمواجهة تحدٍّ لم يكن بالحسبان، إلاّ في لبنان، أداروا الظهر لهذه المخاطر وغاب عن جدول أعمال التحالف المافياوي المتسلط، أي محاولة لمواجهة الأخطار التي من شأنها مفاقمة كرة الانهيارات المندفعة من دون كوابح. ألاعيب «التشاطر» و«التذاكي» تقدمت ما عداها قبل 4 أشهر بالضبط على نهاية عهد البؤس والتخلي والارتهان. لم يلتفتوا إلى الكيان المهدد، ومثله الجمهورية المشلعة، والدولة المخطوفة المصادَر قرارُها، فيما رئاسة حكومة، المركز المفترض للقرار، تهمش دورها وتقلص تأثيرها مع «ارتضاء» المقيم في السراي، كما بعض أسلافه، أن يكون دور هذه الرئاسة شكلياً، فيترك لآخرين خلف الستار تحريك الماريونات بتجاهل المهمات الواضحة وسقف الوقت المتاح لخطوات بديلة.

في هذا التوقيت، 10 نواب يمثلون «ثورة تشرين» قالوا للبنانيين لدينا البديل، على ما كتب الصديق حسام عيتاني، منوهاً بتسمية نواف سلام لترؤس حكومة مستقلة لأن المطلوب «شخصية محترمة في هذه الفترة الانتقالية». فجاء الرد بإعادة تكليف ميقاتي بأدنى نسبة من الأصوات النيابية، وقد تم ذلك عندما التقت أطراف نظام المحاصصة على دعم مرشح «حزب الله» مباشرةً أو من خلال بدعة «اللاتسمية». اختاروا شخصية ملاحَقة دولياً ومحلياً بادعاءات أقلها الإثراء غير المشروع للتأكيد أن ما يجمعهم كبير وخطير، وراحوا يخبرون اللبنانيين بأن الرجل «صاحب خبرة» و«ممسك بالملفات» مع السعي إلى تجهيل دور حكومة «معاً للإنقاذ» في مفاقمة الانهيار، في تجاهل كامل لمسؤولية حكومة ما قبل الانتخابات عن تعمق الانهيار وتبديد آخر الإمكانات المالية لإعادة النهوض.

المعنى الأساس لتسمية نواف سلام في هذه اللحظة المصيرية، هو جانب إلى الكفاءة والقدرة والبعد الرئيوي لديه، أنه لا يمكن الشروع في انتشال البلد وإنقاذ اللبنانيين إلاّ من خلال حكومة، رئيسها وأعضاؤها من المستقلين الأكْفاء، ما يتيح إعادة تكوين السلطة السياسية بقلب المشهد وطيّ الزمن الذي عاث فيه التحالف المافياوي فساداً ونهباً وارتهاناً. كذلك ضرورة الانسجام مع المناخ التشريني الذي تجاوز التظاهر إلى التصويت العقابي الكثيف في صناديق الاقتراع كتعبير عن رغبة شعبية في التغيير، بالعودة إلى الدستور والتزام القانون وإحياء المؤسسات وبسط السيادة واستعادة المكانة بإنجاز انتخاب سلس للرئاسة.

كذلك جاءت التسمية من إدراك أن لبنان مالياً واقتصادياً واجتماعياً في الحضيض، وتُكتب نهايته إن أفضى مسار الاستحقاق الرئاسي إلى شخصية مماثلة للرئيس عون، فيكون استمرار عهد مصادرة الرئاسة وارتهانها كغطاء لتغول الدويلة. عهد انعدام كلِّ تبصرٍ عندما يستضيف القصر في هذا التوقيت شخصية مستفزة كإسماعيل هنية الذي حدّثنا عن توحيد «ساحات المقاومة»، وبشّر بمنحى العمل لتحويل لبنان منصة صواريخ حمساوية، كأنَّ لا دولة ولا سيادة ولا قانون، بل التأكيد على عزلة لبنان ككيان هزيل ملحق بالمحور الممانع الذي تتزعمه طهران!

وسط كل هذا التردي وتداعيات الانهيارات المتواصلة ككرة ثلج، حثّ مجلس الأمن الدولي على «الإسراع بتشكيل حكومة تطبّق الإصلاحات، والانتهاء السريع من تحقيق مستقل، نزيه ومعمق وشفاف في انفجار الرابع من أغسطس (آب)». فكان الرد على الرسالة الدولية التقاء أطراف نظام المحاصصة الطائفي والغنائمي حول ميقاتي كطرفٍ يقدم مصالح الكارتل المالي المصرفي على ما عداه، كما برز في خطة «التعافي المالي» التي تحمِّل الموجوعين وزر المنهبة. والأمر الخطير أنها تهدد بمزيدٍ من الخراب بوضعها على الطاولة مخططاً ببيع ممتلكات الدولة وتسييل الذهب بعد هدرهم المليارات من ودائع المواطنين!

أما لجهة التحقيق في جريمة الحرب ضد بيروت ولبنان، فقد تم تعطيله منذ يوليو (تموز) 2021 عندما بدأ المدعى عليهم بالجناية دعاوى «الرد» و«كف اليد»، وصولاً إلى حجز وزير المال، نيابةً عن رئيس البرلمان، والتشكيلات القضائية الجزئية، ما أبقى هيئة محكمة التمييز دون نصاب والتحقيق معطل.

وقبل ذلك عندما حجزت لجنة الإدارة والعدل، (رئيسها النائب جورج عدوان)، مشروع قانون استقلالية السلطة القضائية في أسوأ رسالة للبنانيين بأنْ لا استقلالية للقضاء، وأن هذه السلطة ستبقى مقيّدة، ما دام بين أعضاء اللجنة النيابية فارون من وجه العدالة مثل علي حسن خليل وغازي زعيتر وكلاهما مدعى عليه بجناية «القصد الاحتمالي» بالقتل في جريمة المرفأ!

وفيما يحذّر الخبراء المستقلون من انفجار في الأفق، من بين مؤشراته الغليان الاجتماعي نتيجة تفاقم أزمة الغذاء وقد عزّ الرغيف، فإن الثنائي المذهبي، ومن رأوا مصالحهم الضيقة معه، راحوا في عملية القبض على التكليف، إلى فتح الصراع على مصير البلد وهويته وتاريخه وليس فقط رئاسة الجمهورية. يبشرون باستحالة التأليف ويعدون العدة لشغور رئاسي، فيقدمون المسعى النظري لتأليف حكومة محاصصة تمارس الصلاحيات الرئاسية ويرون في ميقاتي الضمانة لمثل هذا المشروع. ولأنهم يدركون أن عون لن يوقّع تأليف حكومة لا تمنح صهره باسيل الأرجحية والمكانة المميزة في إدارة البلد، بعد نهاية العهد العوني، عندها الخطة (ب) جاهزة وبرأيهم محكمة وممكنة. إنها حكومة تصريف الأعمال، و«الاجتهاد الدستوري» تبلور ويُفضي إلى اعتبارها «حكومة كاملة الصلاحية لعدم وجود بديل لها»، في البلد المحكوم بالبدع منذ مؤتمر الدوحة إثر اجتياح بيروت عام 2008 والذي أُريد له أن يحل مكان «الطائف» والدستور!

إنه الدوران في حلقة مقفلة، ينطلق من تقدير لدى المتسلطين أن الانتخابات وما حملته من بذور للتغيير لن تغيّر شيئاً لا حكومياً ولا في انتخابات الرئاسة. هنا ينبغي التأكيد أن التخلص من نتيجة الانتخابات ليس بهذه السهولة، والمناخ التشريني الذي عاود النهوض في انتخابات 15 مايو (أيار) لن يترك المواجهة على عاتق نواب الثورة وحدهم، ولن ينحرف إلى مواجهات جانبية، بل سيعرف طريقه لاستعادة الساحات وبلورة البديل بالسعي الحثيث لقيام «الكتلة التاريخية» من دون التقليل من حجم الصعوبات ومن دون الاستسلام لها!