ملامح تقارب في وجهات النظر بين بيروت وتل أبيب حول المنطقة البحرية المتنازع عليها

بالتزامن مع الاستشارات التي قام بها رئيس الحكومة اللبنانية المكلف نجيب ميقاتي مع الكتل النيابية والقوى السياسية لاستمزاج رأيها حول شكل الحكومة المقبلة، وفي الساعة التي قدم فيها ميقاتي تشكيلته الحكومية لرئيس الجمهورية ميشال عون، كانت أنظار المراقبين والمتابعين باتجاه الاجتماعات والاتصالات الجارية في تل أبيب وبيروت من أجل ترسيم الحدود البحرية المتنازع عليها بين خط 23 وخط 29 قبالة بلدة الناقورة الحدودية.

وتوجه اهتمام السياسيين المتابعين لملف ترسيم الحدود الجنوبية اللبنانية، إلى تحركات الوسيط الأمريكي آموس هوكشتاين مع الحكومة الإسرائيلية بعد تسليمها المقترحات اللبنانية، ما أعاد زخم الاتصالات بين الدوائر المعنية التي تحدثت عن “تقارب” متوقع في وجهات النظر بين بيروت وتل أبيب لحل النزاع وإيجاد حل يرضي الجانبين سيحمله هوكشتاين عند عودته إلى العاصمة اللبنانية خلال الأيام القادمة، خاصة وأن الجانب اللبناني ينتظر جوابا من الوسيط الأمريكي في مهلة أقصاها الأسبوعان المقبلان.




ورجّحت مصادر لبنانية متابعة، احتمال نجاح هوكشتاين في دفع القيادة الإسرائيلية إلى التراجع عن مطالبته بالخط 1 بعدما نجح الوسيط الأمريكي في انتزاع تخلٍ لبناني شفهي عن الخط 29، ما يعني تقليص الخلاف وضمان العودة إلى الخط 23. وبناءً عليه، يفترض أن تكون الخطوة المقبلة إعادة إحياء طاولة المفاوضات غير المباشرة في الناقورة، التزاماً بما طلبه هوكشتاين في بيروت خلال زيارته، على أن ينحصر البحث بين خط “هوف” والخط 23 معدلاً بعدما أضاف لبنان إليه كيلومترات قليلة تضمن حصوله على حقل “قانا” كاملاً، مع التزام لبناني بعدم العودة للمطالبة بالخط 29، مقابل التزام إسرائيلي مماثل بعدم طرح الخط 1.

وأشارت وسائل الإعلام اللبنانية في تقارير من تل أبيب إلى أن هوكشتاين نقل إلى تل أبيب موافقة لبنان على عدم المطالبة بحقل “كاريش” مقابل عدم مطالبة الجانب الإسرائيلي بأي جزء من حقل “قانا”. وقالت إن تعمد بيان الخارجية الأمريكية الإشارة إلى “تضييق مساحة الخلافات” بين بيروت وتل أبيب يعني أن الوسيط الأمريكي تمكن من ردم فجوة المواقف بين الجانبين.

وأمام هذه التطورات المستجدة على مسار ترسيم الحدود البحرية، توقفت المصادر اللبنانية المتابعة عند الاتصال الذي جرى بين هوكشتاين ونائب رئيس مجلس النواب اللبناني إلياس بوصعب الذي كلّفه رئيس الجمهورية متابعة ملف الترسيم، ولم يعرف ما إذا كان هذا الاتصال قد تم بعد اللقاء بين هوكشتاين والمسؤولين الإسرائيليين للتثبّت من اطلاع بوصعب على تفاصيل الجولة الأولى من المفاوضات التي أجراها مع المسؤولين الإسرائيليين في ظل دعوات هوكشتاين الدائمة إلى “ضرورة التريّث لفترة ليست طويلة ليتمكن من الحصول على الموقف الإسرائيلي النهائي من العرض اللبناني الأخير لترسيم الحدود”.

وذكر بوصعب في تصريح عبر وسائل التواصل الاجتماعي، أنّ “بيان وزارة الخارجية الأمريكية عن المحادثات التي أجراها هوكشتاين مع الإسرائيليين بملف ترسيم الحدود البحرية، والتي وصفها بالمثمرة، أمر ايجابي ونقدّر تعهد الادارة الأمريكية بالتواصل في الأيام المقبلة الذي نأمل منه أن يؤدي لاستئناف المفاوضات غير المباشرة في ​الناقورة​”.

بدورها، أكدت مصادر حكومية لبنانية في تعليق على ما ذكرته وزيرة الطاقة الإسرائيلية كارين الهرار، أن لبنان سيبقى متمسكا بمياهه وثرواته الطبيعية قرب الحدود مع فلسطين المحتلة على كامل مياهه الاقليمية، وهذا التمسك ثابت مهما بلغ حجم الصدام مع الاحتلال الإسرائيلي.

وأضاف المصدر الحكومي في اتصال مع “القدس العربي” أن الثروة النفطية والغاز في جنوب لبنان ليس أقل قيمة من الأرض، مشددا على أن الثروة النفطية وكمية الغاز في المياه الاقليمية الجنوبية يمكن لها أن تنقذ لبنان من حالة الانهيار المالي والاقتصادي الذي يتعرض له شعب لبنان.

ولفت المصدر إلى أن المفاوضات غير المباشرة الجارية مع تل أبيب من خلال الوسيط الأمريكي يمكن لها أن تصل إلى النتائج المرجوة في حال اقتنع الإسرائيلي أن الثروة والغاز مقابل بلدة الناقورة وفي حقل “قانا” هي حق طبيعي للبنانيين.

وكانت وزيرة الطاقة الإسرائيلية كارين الهرار، أكدت أن “إسرائيل مستعدة للتوصل إلى تفاهمات مع لبنان حول موارد الغاز في البحر المتوسط وملف ترسيم الحدود البحرية”، مشيرة إلى استعداد إسرائيل للتوصل إلى تفاهمات وبوساطة الوسيط الأمريكي.

ولفتت الوزيرة الإسرائيلية إلى أن “طاقم التفاوض الإسرائيلي يعمل طيلة الوقت للتوصل إلى توافق حول النزاع الدائر بين لبنان وإسرائيل حول موارد الغاز في البحر المتوسط وملف ترسيم الحدود البحرية”.

يبدو أن التطورات الميدانية التي شهدتها المناطق الحدودية البحرية المتنازع عليها بين بيروت وتل أبيب، لم تكن بهدف التفجير العسكري أو اندلاع حروب واسعة لا يتحملها الطرفان، بل كانت “من الجانب الإسرائيلي” مجرد استعراض “عضلات” و”قوة” للإسراع بالجلوس على طاولة المفاوضات لتشريع الهدوء القائم اليوم على طول الخط الأزرق، وكانت من الجانب اللبناني محاولة لتدخل دولي يسمح للبنان باستخراج النفط والغاز من مياهه الاقليمية على الأقل من حقل قانا، لإنقاذ البلد من الانهيار المالي والاقتصادي.

ويبدو أيضا أن تقدم الباخرة ومعدات التنقيب الإسرائيلية باتجاه حقل “كاريش” قبل الاتفاق مع الجانب اللبناني ورسم الحدود برعاية دولية، كان للضغط على لبنان لإجباره على إجراء مفاوضات مباشرة أو غير مباشرة لرسم الحدود البحرية والبرية، ما يعني اعترافا لبنانيا بحدود الدولة العبرية، وضمان رسم الحدود بين الجانبين، ما يعتبر هدفا إسرائيليا سعت تل أبيب لتحقيقه منذ عقود من الزمن.