سمير عطا الله

بلاد العدّادين – سمير عطالله – النهار

“القديم يوارى تراب النسيان. والجديد يختفي الى ما وراء البحار، وأسياد العتمة جاثمون على ما تبقّى منا نحن الأحياء العالقون في بلاد العداد اليومي”.
يوسف بزي (المدن)

مرّت خمسون سنة على فضيحة “#ووترغيت” التي ادّت الى استقالة الرئيس الأميركي #ريتشارد نيكسون بعد اتهامه بعملية التنصّت على الحزب الديموقراطي، ثم الكَذب في النفي. وكلاهما لا يليق بساكن البيت الأبيض. ولا بأي مسكن.




لم يكن ذلك خطأ نيكسون الوحيد، وإنما الخطأ الذي كُشف عنه. وما لم يُكشف، على سبيل المثال، أن رجل اعمال عربياً ذهب الى زيارته ومعه حقيبة فيها مليون دولار، ولما غادر، رحمه الله، نسي الحقيبة في المزرعة. أهمية “ووترغيت” في السياسة الدولية أنها كانت عنواناً للتردّي في مستوى الرئاسات في “العالم الحر” بعد الحرب: رجل “بلا خصائل” بعد ايزنهاور، وبعد جاك كينيدي القادم من أغنى عائلات البلاد آنذاك، عائلة حجم ثروتها 500 مليون دولار يومذاك.
اعتُبر وصول نيكسون نوعاً من التفريط بمركزالرئاسة ومكانة اميركا. فالدولة التي ربحت الحرب وتتولى الآن الزعامة السياسية، ترأّس ريتشارد نيكسون، الآمر بالغش ومؤدّي اليمين على الدستور، زميلاً لقادة المرحلة من عمالقة الغرب، ونداً لألمع زعماء الشرق، ماو، وخروشوف، وهوشي منه.

برغم استقالة نيكسون تحاشياً للمحاكمة وآثارها، وقع ما وقع. صار في امكان المشكوك في كفاءتهم أو مستوياتهم حول العالم، خوض معارك الرئاسة وكسبها. وصار امراً عادياً ان تنتقل اميركا من جورج بوش الى جورج آخر تماماً، وهذا ما مهّد لوصول ظاهرة من الصفاقة والخطر واحتقار الدستور يدعى دونالد ترامب. كاد هذا الأخير ان يقلب اميركا الى ديكتاتورية، ويرفض الخروج من البيت الأبيض، باعتباره مُلكاً من املاكه، أو برجاً من ابراجه. لقد اعتاد ان يتأبط كل ما يستهويه من مبان، وممثلات اباحيات وادوار سينمائية. لماذا لا يكمل؟

كاد ترامب أن يضع اميركا حيث وضع هتلر المانيا. ولا يزال الخطر قائماً. وفي الهند التي انتقلت من جواهر لال نهرو الى رام كوفيند، خلخلة اهلية هائلة تهددها ربما تكون اعظم من الخلخلة التي تحدث عنها الرئيس سعد الحريري قبيل اعتكافه المعلق تعليقاً قَلَب الصورة السياسية في البلاد الى خمسين سنة مقبلة. (كبيس وعادي).

نحن ايضاً ننتخب. ولا نزال نعدّ المقاعد والكراسي في انتظار (الفوتوسيل) الرئاسي الذي يتقدم كل كرسي آخر. وكلما ضربنا وجمعنا وقسمنا وطرحنا، يطلع معنا أننا مجموع اقليات لا اكثرية لها. الأكثرية النسبية الوحيدة كانت عدد الذين واللواتي لم يسمّوا احداً. يعني عندك تلت البلد تقريباً يريدك ان تنتخبه وتكلّفه وتوكلّه وهو لا يريد ان يسمّي: بقّوسه!

كل الطاقات صفر وعتم وقياصرة، إلا الطاقة على الجعدنة والمرقَعة. قيل إن بعض سيدات التغيير ذهبن الى الاستشارات بالجينز المرقّع، وقيل ان الهدف السامي من ذلك اعطاء صورة لحقيقة البلد: وجهاً، وقفا، وملحقات.

ويجب التدقيق في الماركة: هل هي على لائحة المقاطعة ام على لائحة الخلع! كان مشهداً مؤسفاً. البعض أخذ التغيير بخفة بدا معها وكأنه تغيير ملابس والوان. احمر وشقائق النعمان وارجواني من النوع الذي اكتشفه الفينيقيون وطافوا به يجْنون الثروات. وقيل انهم وصلوا الى البرازيل، ملجأ جيل جديد من اللبنانيين، هم الذين يضعون اليد على الثروات التي يطيرون بها من هنا، وخصوصاً ثروات البنوك. وآخرها ما حملته السيدة رنا قليلات، التي يقال إنها تعيش حياة تقشف في الريو. وعلى سبيل المثال اضطرت، لأسباب خارجة عن ارادتها، الى أن تتخلى عن الكوافير، الذي كان يصفف شعرها في السجن. خدمات غير موجودة في البرازيل.

الأرجح ان السيدة التي تأهلت من رجل أمن، سوف توفر النصائح لكثيرين من الذين يستعدون للسفر الى بلاد الكرنفال ومعهم احمال احمال. البرازيليون لا يتعاطون إلا بالكاش. وفريش. سألت رجل اقتصاد اين ذهبت الأموال التي لا يعرف عنها احد شيئاً؟ قال: “في اي ارض تعيش؟ ألم ترَ المواكب والكواكب السيارة والطيارة، والحفلات والسهرات، والسرقات والنهبات، والصفقات الصفيقات، وكيف طرد القيصر انغيلا ميركل لأن كهرباءها لا تناسب المواصفات في ذوق مكايل وذوق مصبح وسائر الاذواق”؟.

يشعر المرء بالانكشاش (من كش) عندما يكتب في شؤون لبنان. كل شيء صغير إلا الهموم. كل شيء محتمل إلاّ الحلول. وعندما تكون الدولة مريضة الى هذا الحد فكيف بالناس، وإلى من يرجعون؟ ومن هو الحَكَم بين السلطة والمواطن؟

لا تنفع زحمة التعداد القائمة. اكثرية بأقلية أو أقلية بأكثرية. هدر في وقت الناس وجعلهم طبقة ارغفة وافران. ونجيب ميقاتي لا يستطيع اكثر مما هو في طاقة الرئاسة الثالثة، وطاقتها على التحمل. ربما اقصى ما ينجح به إذا قُدر له حظ التأليف، أن يحاول الخروج بحكومة لا تشبه خنوعة حسان دياب، التي دلقت نفسها وافرغت البلد مع سائر ورش التفريغ والتحميل ومضت.

ليس هناك من تعداد قبل العد الأخير. فالرئاسة الأولى، برغم كل ما جُردت من صلاحيات، لا يزال صاحبها يملك قوة التوقيع. وقد كرر الرئيس ميشال عون التلويح بهذه القوة “ما حدا بياخد توقيعي”. بينها مثلاً التوقيع على التشكيلات القضائية حتى قبل اربعة اشهر من نهاية العهد.
كل رئاسة ولها قوتها، وقوة الرئاسة الأولى التوقيع، الذي لن يُعطى الى احد. وقوة الرئاسة الثانية في نوعية خصومها، وقوة الرئاسة الثالثة في الاعتكاف الموقت. وقوة الاعتكاف الموقت ان الرئيس الحريري لم يعلن ضد مَن هو معتكف. الواضح انه اضاف الى ابداعات السياسة فترة مدهشة اخرى، بعد “ما ذلّونا” هي “ما بدّو”.

إذاً، الذي لم يخلّوه، حقه على المسيحيين يتدبرون امورهم الى ان يخلّوه، والمعتكف حقّه على السنّة، يتدبرون شؤونهم الى ان ينهي “تعليق” الاعتكاف. ويكون ذلك بهدوء وتؤدة. خطوة خطوة وفقاً لمبدأ كيسينجر في حل القضايا العاصية.

وقد عمَّد تلك الخطوة النائب جهاد الصمد، الذي سمّى الرئيس الحريري لتشكيل حكومة العهد الأخيرة. دائماً الافكار البنّاءة، لها من يتبناها. لكنه تركنا نتحرر: هل هو تكريم للرئيس الحريري ان يسميه نائب واحد وسط هذه “الكلفة” من الاصوات؟ النوايا الطيبة تخطىء دائماً في العدّ والحساب.