البعثات الديبلوماسية من دون رواتب منذ شباط… الحلول غائبة وتخوّف من إقفال أبواب القنصليات

لم تحصل 89 بعثة ديبلوماسية منذ شهر شباط 2022 على رواتبها، وهي بالكاد تتمكن من دفع مصاريفها التشغيلية من خلال الاستلاف من المداخيل القنصلية، رغم أنّ ذلك يخالف مبدأ شمولية الموازنة، الذي يحظر تخصيص مدخول معيّن لمصاريف معيّنة إلا بموجب استثناء ينصّ عليه القانون. إلّا أنّ للضرورة التي فرضتها حكومة الرئيس نجيب ميقاتي السابقة أحكاماً، فوفق ما أكّد مصدر ديبلوماسي لـ”النهار”: “الأمور عالقة من جرّاء عدم اتخاذ قرار يحدّد كيفية دفع هذه الأموال، من أموال حقوق السحب الخاصة، أم بموجب سلفة يقرّها المجلس النيابي بعد أن تعذّر إقرار الموازنة العامة”. والآن تتخوّف أوساط عدّة من أن تقفل #البعثات الديبلوماسية أبوابها للضغط من أجل إيجاد الحلّ.

باتت حكومة ميقاتي تصرّف الأعمال ولم تحسم هذا الأمر، وبقيت أموال 89 بعثة ديبلوماسية من ضمنها رواتب الموظفين عالقة، فلم يحصل الأخيرون على رواتب آذار ونيسان وأيّار، ولم يحوّل الأمين العام لوزارة #الخارجية طلب #الرواتب لشهر حزيران أصلاً إلى المالية باعتبار أنّ هذه الرواتب يجب أن تكون مخفضة، تحت ذريعة أنّ الرواتب الحالية تستهلك الاعتمادات المخصصة للوزارة وتضخم الأرقام وأنّه يجب أن تخفض وفقاً للمشروع الذي كان مخططاً له سابقاً رغم أنه لم يصدر أي قرار بهذا الشأن من قبل الحكومة.




وبينما ينهمك الرئيس المكلف نجيب ميقاتي بعملية تشكيل الحكومة وبكيفية إيجاد الصيغ الوزارية المناسبة، لم تحوّل أموال البعثات الديبلوماسية منذ نحو أربعة أشهر، وذلك نتيجة عدم اتخاذ القرار الذي يطالب به #مصرف لبنان كي يتمكن من تحويل أموال البعثات. فمصرف لبنان يمكنه تحويل الأموال للبعثات ولديه الإمكانيات، لأنها لا تتجاوز 3 ملايين و750 ألف دولار في الشهر، لكنّ “المركزي” يطالب بنصّ قانوي يتيح له التحويل، كي لا يُتهم بأنّه يصرف من دون اعتمادات مخصّصة لأنّ الموازنة لم تقرّ، فعلى الدولة أن تحدّد آليّة الدفع، بسلفة تقرّ بموجب قانون في المجلس النيابي أو بقرار من مجلس الوزراء يتيح للخارجية الاستدانة من حقوق السحب الخاصة.

وفي التفاصيل التي يرويها المصدر، كان مطروحاً خلال ولاية الوزيرة السابقة زينة عكر اتخاذ إجراءات تقشف، وحينها طُرحت على البعثات الإجراءات التي يمكنها أن تقوم بها كي تخفض نفقاتها، وحينها عقدت البعثات اجتماعات من بعد مع الوزيرة عكر، وخُفضت موازنات البعثات بنسبة كبيرة، والحدّ الأدنى كان لخفض 30 في المئة، فيما خفضت بعثات أخرى نفقاتها بقيمة 85 في المئة.

في التوازي طُرحت مسألة رواتب البعثات الخارجية وكيفية خفضها. وحينها اتفقت عكر مع مصرف لبنان على أنه مع نهاية عام 2021 يجب أن تكون وزارة الخارجية والمغتربين قد قدّمت مشروع تعديل في الرواتب. وبعدها تسلّمت حكومة جديدة، وعيّن عبد الله بو حبيب وزيراً للخارجية والمغتربين (حاولنا الاتصال به من دون نجاح، وقالت مساعدته إنّه لا يطل حالياً في الإعلام)، فتوقف مصرف لبنان في كانون الأوّل عن تحويل الأموال، لأنه أعطى الخارجية مهلة من حزيران حتى نهاية العام لإيجاد حل لخفض الرواتب ولكن هذا الأمر لم يحصل.

 

وبعد التوقف عن تحويل الرواتب في كانون الأول من عام 2021، تفاوض بو حبيب مع وزير المال يوسف الخليل بطلب من رئيس الحكومة نجيب ميقاتي، لأن حاكم مصرف لبنان رياض سلامة رفض الاجتماع به، وفق رواية مصدر ديبلوماسي لـ”النهار”، وكان الحلّ أن قامت “الخارجية” بدراسة رواتب البعثات الديبلوماسية بناءً على مؤشّر الغلاء الذي يصدر عن الأمم المتحدة عندما ترسل موظفيها إلى دول العالم لتحدّد رواتبهم، وراجعت جميع الرواتب بناءً على هذا المؤشر، وقدّمت مشروعاً يتضمّن تخفيضات وصلت نسبتها إلى 25 في المئة، لكن هذا المشروع لم يقرّ في مجلس الوزراء.

وبعد إتمام الدراسة، أرسل الخليل مشروع المرسوم إلى الحكومة لكن بصيغة تخفض الرواتب 10 في المئة أكثر من اللازم، ومن دون إيجاد صيغة مناسبة لكيفية تحويل الرواتب من الليرة اللبنانية إلى الدولار.

 

وبعد ردّ مشروع المرسوم وتأخر وزارة المال عن إجراء تعديلات عليه، حصل تأخر من قبل مصرف لبنان، في إرسال الرواتب من شهر كانون الأول 2021 إلى آخر شباط 2022، ليحوّلها لاحقاً بعد مفاوضات كثيرة وتدخّل من قبل الرئيس نجيب ميقاتي، وسُددت الرواتب حتى شباط للبعثات الديبلوماسية.

وطلب “المركزي” بعد تحويل الأموال أن تتخذ الحكومة قرارها، فإن أرادت دفع الرواتب من حساب حقوق السحب الخاصة، عليها أن تطلب ذلك بموجب مرسوم. وقال “المركزي” للحكومة أيضاً، إنه إن كانت تريد أن يدفع “المركزي” من ضمن الموازنة، يجب تعديل قانون الموازنة، وبموجب هذا التعديل تُحتسب رواتب البعثة الديبلوماسية في الموازنة بالدولار الأميركي لا بالليرة اللبنانية.

وحسب قول المصدر الديبلوماسي، كان ردّ ميقاتي حينها أنّه سيُنتخب مجلس نيابي جديد وبعدها ستُنتخب لجان نيابية جديدة سيُطرح فيها هذا الموضوع. وفي الوقت عينه لم يقرّ مرسوم الدفع من حساب حقوق السحب الخاصة، الذي يُدفع منه دولار القمح المدعوم، إلى أن بات مجلس الوزراء الآن يُصرّف الأعمال ولا يمكنه أن يتخذ قرارات، فتعطلت كل الحلول.

ولا يزال مصرف لبنان يرفض التحويل، ويطالب بتبويب قانوني كي يتمكن من الصرف، قائلاً إنّه إن كانت هذه الأموال ستدفع بموجب سلفة، فإننا نريد قانون هذه السلفة، وإن كانت من حساب حقوق السحب الخاصّة فإننا نريد مرسوماً من مجلس الوزراء.

وحتى الآن، لم تحصل البعثات الديبلوماسية على رواتبها منذ شهر شباط، فلم تقبض رواتب آذار ونيسان وأيار، وراتب حزيران رفض الأمين العام للخارجية أن يحوّله إلى وزارة المال بانتظار احتساب الرواتب وفق الآليّة الجديدة التي كانت قد اقترحتها وزارة المال، ولكن لم يصدر قرار من مجلس الوزراء بعد بشأن تعديل الرواتب، وحجة الأمين العام أنه لا يمكن أن تظل الوزارة تدفع الرواتب على مستواها القديم.

 

وفي السياق، طرحت البعثات أن تأخذ سلفة من الإيرادات القنصلية لدفع الرواتب، إلا أنّ إدارة “الخارجية” رفضت لأن هذه الأموال لا تحوّلها إلى الخزينة بل تحوّلها أصلاً إلى سلفة كي تدفع كلفة التشغيل التي خُفضت فوق الـ30 في المئة.

ورؤساء البعثات يحصلون على قيمة إيجاراتهم من كلفة التشغيل، وتحاول البعثات الغنيّة أن تحوّل بعض الأموال إلى بعثات في دول أخرى، لكن المشكلة الكبرى يتكبّدها الديبلوماسيون الذين يدفعون بدلات الإيجار من رواتبهم التي لم يتقاضوها منذ أشهر.

وإذا استمرّت الأمور على ما هي عليه، لا يستبعد المصدر أن تتحرّك البعثات وتقفل أبوابها بوجه المنتشرين، وتقول لهم إن الخدمات توقفت. ولبنان يتكّل الآن بشكل أساسي على المغتربين، وتضييق الخناق عليهم سيؤدّي حتماً إلى ضجة كبيرة.

النهار