أيّ هدف حققه اسماعيل هنية لـ”حزب الله” في بيروت؟

ابراهيم بيرم – النهار

في كل مرة يحطّ فيها رئيس المكتب السياسي لحركة “حماس” اسماعيل هنية رحاله في بيروت يُطرح السؤال عاليا: ماذا جاء الرجل الذي يشغل حاليا منصب الامين العام لهذه الحركة الفلسطينية يفعل في العاصمة اللبنانية المثقلة بالاعباء والطافحة بالتناقضات؟




وعليه تتعدد الاجابات وتتسع دائرة التكهنات، ولاريب ان منسوب الهواجس الكامنة ارتفع مع الزيارة الحالية إن لجهة التوقيت او لجهة المضمون ونوعية اللقاءات.

حدثٌ ولا شك ينطوي على دلالات ان يأتي هنية الى بيروت للمرة الثانية خلال اقل من عامين ومعه وفد يضم ما يُعرفون بصقور هذا التنظيم، اذ من المعلوم ان زيارته الماضية تعود الى عام 2021، وان يُستقبل من الرؤساء الثلاثة ويجول في المخيم الاكبر (عين الحلوة) وان يتاح له لقاء مراجع (المفتي دريان) وقيادات احزاب في مقدمهم الامين العام لـ”#حزب الله” السيد حسن نصرالله وقيادة “الجماعة الاسلامية”. والاكثر جذباً للانظار ان يطلق هنية تصريحات ومواقف نوعية ومثيرة للاهتمام من مثل حديثه عن “وحدة الساحات” و”توحيد جبهة محور المقاومة” و”الاستعداد للمعركة الفصل مع العدو”.

كل ذلك كان مرفقا بحديث خافت بعض الشيء عن اصطحاب الرجل معه قادة عسكريين من “حماس” – غزة في مهمة عنوانها “درس سبل التنسيق الميداني مع القيادة العسكرية للحزب”. وهذا الامر استُبق بكلام من نوع ان الحركة الجهادية قد قطعت شوطا في عملية تهدف الى تركيز رؤوس جسور عسكرية في الداخل اللبناني، ولاسيما على تخوم الاراضي الفلسطينية المحتلة. وهو يأتي استكمالا لمعطيات راجت سابقا عن صواريخ مجهولة النَّسب والهوية أُطلقت في الآونة الاخيرة من الجنوب في اتجاه مناطق محتلة وبعضها سقط في البحر قبالة الشاطىء المحتل. واللافت في حينه ان الاسرائيلي ومعه إعلام غربي تعمّد وضع المسؤولية على غير عاتق “حزب الله” صاحب الإمرة والنهي في تلك البقعة الجغرافية، في اشارة الى ان الفاعل جهة فلسطينية تتعمد توجيه رسائل عسكرية وسياسية.

في المعلن يأتي هنية ليشارك في المؤتمر القومي – الاسلامي الذي التأم اخيرا في بيروت. وقد تقصّد منظموه ان يبرزوا من بين الحضور فيه رموزا من “محور المقاومة”. لكن ما اضاف مزيدا من الاضواء على زيارة هنية ووضعها تحت المجهر انها تأتي في مرحلة تطلق فيه تل ابيب سيلاً من التهديدات تجاه الساحة اللبنانية لدرجة ان رئيس اركانها هدد صراحة بان بلاده عازمة على اجتياح لبنان وبلوغ عاصمته على غرار اجتياح صيف عام 1982 “اذا ما فكّر حزب الله بالشروع في مغامرة ضد اسرائيل”، وفي وقت يرتفع الكلام واللقاءات لتأسيس “ناتو عربي – غربي” لجبه ايران وغلّ يدها عن اي عمل عسكري مستقبلا هي او اذرعها في الاقليم.

وبحسب الاستنتاجات التي تكونت على طاولة “محور الممانعة” في الساعات الاخيرة، فان زيارة هنية حققت اهدافها، والبراهين على ذلك كثيرة. فالرجل اطلق هذه المرة مواقف لم يسبق له ان قالها امام مقار الرئاسات الثلاث (قصر بعبدا والسرايا الحكومية وعين التينة) تتخطى حدود التحفظ والرسميات لدرجة ان الامر استدعى موجة ردود فعل واسعة.

لذا فان عنصر الاثارة هنا تجسد في اتاحة الفرصة لتظهير اوجه مقارنة بين الواقع اللبناني وبين الواقع العربي عموما. ففي حين تنشغل عواصم عربية بالاستعداد لما اتُّفق على تسميته “ناتو عربي – غربي – اسرائيلي” يسعى لأخذ مكانته ودوره في الاقليم، بدت الساحة اللبنانية وكأنها واقعة تحت سطوة المحور المناقض، وان بامكان اي رمز من رموز هذا المحور ان يصول ويجول في لبنان ويطلق كلاما اعاد الى ذاكرة البعض كلاما وتصرفا كان الفلسطينيون يطلقونه في لبنان قبيل الاجتياح الاسرائيلي للبنان في صيف عام 1982.

ولا شك في ان هنية ما كان ليعلي صوته على هذا النحو ويتلفظ بهذه المواقف لو لم يكن قد اخذ نفسا عميقا من رفاق “المحور”، وكان استطرادا يعلم علم اليقين انه انما بكل ذا ينفذ امر عمليات ومهمة مطلوبة منه على وجه السرعة في هذه المرحلة بالذات حيث الاصطفافات والتموضعات على اشدها مقرونة بحملة تهديدات وضغوط.

لذا ووفق مقاييس المحور اياه ومعاييره، فان المصادر التي هي على علم بالتفاصيل والخلفيات التي احيطت بها فان هذه الزيارة تعمدت اظهار مستوى “التنسيق الاستراتيجي” بين طرفين اساسيين في المحور يتولى كل منهما “جبهة مواجهة” لا يستهان بها مع اسرائيل، وبينت استتباعا ان الحليف الموثوق به للحزب (حماس) يحظى بحضور قوي في الساحة اللبنانية حيث هناك اكثر من 14 مخيما فلسطينيا تضم بين جوانبها اكثر من 25250 الف نازح كانوا الى الامس القريب في عهدة منظمة التحرير الفلسطينية وعصبها القوي حركة “فتح”، وكان حضور “حماس” يبدو هامشيا.

وبزيارة هنية يكون الحزب قد اخذ امام جمهوره “شرعية” الاعتراف بالدور المحوري كرافعة في المواجهة المفتوحة مع الاسرائيلي. لذا فان صورة هنية وهو يطلق من عين الحلوة اول من امس هذه المواقف النوعية هي المطلوب الاكبر بالنسبة الى الحزب.

فالمعلوم بحسب العارفين ان الحزب ليس بحاجة اطلاقا الى قوة عسكرية جديدة تنضم الى جسمه المقاتل، وكل ما يريده ان لا يظهر وحده في المواجهة وان يبرهن ان لديه امتدادات تصل الى غزة والضفة الغربية المحتلة، وهذا ما تؤمّنه زيارة هنية الحالية الى بيروت.

واذا كانت تلك الفوائد هي التي يمكن للحزب ان يجنيها من زيارة الرجل، فانه الاخير سيحصل على عوائد من زيارته التي تعدّ خطوة اخرى تقرّبه اكثر في رحلة المصالحة مع دمشق.

وبحسب آخر المعطيات، فان مساعي الحزب لم تنهِ بعد القطيعة بين الطرفين، لكن الثابت ان دمشق اليوم هي غير دمشق التي اكتوت بنار انشقاق “حماس” عنها مع بداية اشتعال فتيل المواجهات على ساحتها منذ اكثر من عشر سنين. وعلى ما يبدو فان الحزب مقتنع بان المطلوب مزيد من الجهد ومزيد من الوقت لكي تعلن دمشق انها مستعدة لاعادة وصل ما انقطع مع “حماس”، ولكي تقتنع بان الحركة اليوم هي غير الحركة التي خذلتها وانحازت الى الصف المعادي.