سبيل أهداف “القوات” دون المشاركة الحكوميّة

مجد بو مجاهد – النهار

لا يزال وقع أصداء استحقاق الانتخابات النيابية يتردّد في الأذهان اللبنانية ويستحضر في الصور واللافتات التي طبعت عناوين بارزة باتت مترافقة مع الذاكرة المحليّة. ويتصدّر مصطلح “نحنا بدّنا، ونحنا فينا” الكلمات الأكثر رسوخاً بعد أسابيع على المحطة الانتخابيّة، وسط زخمٍ لم يخفت في ترداد هذه الجملة على نطاق المؤيّدين أو الخصوم على السواء. وقد استندت “العبارة القواتية” في بناء أحرف أبجديتها على برنامج موسّع اتّخذ عنوان “خارطة الحلّ”، التي شرحت تفصيليّاً “كيف فينا” أفكاراً وأفعالاً، انطلاقاً من حصر السلاح بيد الدولة اللبنانية وتطبيق القرارات الدولية والاستعانة بقوّة دوليّة ضمن القرار 1701 لضبط الحدود الشرقية. وركّزت الطروحات على تحقيق الحياد الإيجابي وتطبيق اللامركزية الموسّعة بما يشمل تمكين اتّخاذ القرارات التنظيمية على المستوى المحلّي، واعتماد نطاق إداري محلّي بحجم يسمح بإنجاز مشاريع بجدوى ماليّة مقبولة، واعتماد نظام ضريبي ومالي محلّي يسمح الربط بين الموارد والخدمات المحليّة. وفنّدت “القوّات” مقترحات في الاقتصاد والمجتمع والبيئة والتنمية المستدامة للخروج من الأزمة المالية من خلال الاتفاق على برنامج مع صندوق النقد الدوليّ، وإعادة هيكلة القطاع المصرفي وحماية صغار المودعين وإصلاح المالية العامة وطرح حلول في القطاعات الاقتصادية والبنى التحتية. وبدا لافتاً اقتراح استكمال الإجراءات القانونية واللوجستية لفتح مطار الرئيس الشهيد رينيه معوّض في القليعات.




وتدور تساؤلات حول المقوّمات التي يمكن أن تعتمدها “القوات” لتحقيق مضامين أساسية في أهدافها، إذا لم تختر بوابة المشاركة الحكومية في المرحلة الراهنة. ويتظهّر أنّ حساباتها لا تستهين بالدور التشريعي كحربة برلمانيّة في يدها، يمكن أن تنطلق منها في رحلة “الألف ميل” التي تعتزم خوضها. ولا تستخفّ “القوات” بالدور النيابي الذي كان خوّلها الضغط في سبيل اقتراع المغتربين في دوائر نفوسهم على أساس 128 نائباً، كإحدى الخطوات الحديثة التي نجحت في ضمانها. كما أعلت الصوت برلمانياً من خلال تقديم سؤال للحكومة في شأن حماية التحقيق في انفجار مرفأ بيروت، والأمن الشخصي للقاضي طارق البيطار بعد تهديده. وكانت تبنّت قانون استقلالية القضاء بعد الانتهاء من دراسته في لجنة الادارة والعدل وتمّت إحالته على الهيئة العامة. وفي المقابل، أطلقت صرخات برلمانية لم تلقَ صدى ترجمة فعلية، ومنها مثلاً تقدّمها العام الماضي باقتراح قانون عدم المسّ بالاحتياطي الإلزامي. وإذا كانت القدرة على تحقيق أهداف كبرى ترتبط بتثبيت حضور القوى السيادية في السلطة التنفيذية، فمتى يحين الوقت؟

تشير عضو تكتل “الجمهورية القوية” النائبة غادة أيوب لـ”النهار” إلى أنّه “منذ الانتخابات وحتى اليوم، ذهبنا إلى اعتماد نهج ووضع معايير وشروط هادفة لبناء الدولة. ونتمسّك بهذه المبادئ للقول إنّنا لم نرفض انتخاب رئيس مجلس النواب لشخصه، بل لأنّه لا يمثّل المعايير والشروط التي تسمح بنهج جديد يضمن الشفافية وعمل المؤسسات بشكل ملائم مع بناء الدولة. واعتمدت “القوات” اللا تسمية في رئاسة الحكومة، كخيار في مقابل أيّ حكومة لا تعتمد موقعاً واضحاً في السيادة ولا تتّخذ مواقف من سلاح “حزب الله”، بما يحدّ من قدرة الانفتاح على الدول الراغبة بمساعدة لبنان. فإمّا الذهاب إلى نهج جديد في تكوين الحكومات الذي ينبثق عنه التغيير ووضع حدٍّ للانهيارات، وإمّا تكرار التجربة نفسها وإنفاق مزيد من أموال الاحتياطي”. وأيّ سبل لترجمة الأهداف المختصرة بعبارة “بدنا وفينا” من دون المشاركة في الحكومة المقبلة؟ تجيب أيّوب أنّ “البلاد باتت على مشارف أشهر قليلة من استحقاق رئاسة الجمهورية، الذي يُنتظر أن يشكّل الخطوة الإصلاحية الأساسية. فإمّا اختيار رئيس يحفّز قوى محور “الممانعة” ويسقط إمكان تحقيق الإصلاحات بما يعني استكمال الانهيارات، وإمّا اختيار رئيس يمثّل السيادة وتحقيق حياد لبنان وصون اقتصاده. ولا يُخفى أنّ الحكومة العتيدة لن تستطيع الوصول إلى أفعال في غضون شهرين، قبل دخول توقيت الانتخابات الرئاسية التي يعوَّل أن تمثّل المعيار الحقيقي لترجمة خيار الناس للتغيير. ولا بدّ من قرار باختيار رئيس سيادي يحترم الدستور والقوانين، بما يعيد الآمال بالإنقاذ والثقة الدولية”.

وهل يستطيع تكتل “الجمهورية القوية” المكوّن من 19 نائباً أن يحمل بمفرده مهمّة بلورة بنود البرنامج الانتخابي، أو نتحدّث عن عمل تراكمي قد يحتاج محطات انتخابية لاحقة؟ تؤكّد أيوب أنّ “19 نائباً يمثّل رقماً لا تمرّ أمامه القرارات مرور الكرام، في ظلّ أصوات تفضيلية أظهرت بوضوح توجّهات الناخبين. هناك حضور وثقل يمثّله التكتل القواتيّ الذي له مرجعيته، لكن يداً لوحدها لا تصفّق، فيما الاتّكال أيضاً على أفرقاء عدّة سياديين لا بدّ أن يتموضعوا في التوجّه نفسه لفرض المسار التغييري. ويتمثل العنصر الأهمّ في أنّ 19 نائباً يمثلون فريقاً واحداً وقراراً واحداً في مواجهة المشروع الآخر. ويخال البعض أنّه لا بدّ من التماس نتيجة كاملة بعد الانتخابات، لكنّ مسار سنوات من نهج كان قائماً، يحتاج إلى مواجهة وإلى وقت حتّى يتفكّك بعدما بدأت المواجهة انطلاقاً من 16 أيار الماضي”. وتقول إنّ “ثمّة لقاءات دائمة ستشهدها المرحلة الراهنة مع كلّ الحلفاء. ولن ننتظر إعادة تفعيل اقتراح القانون المقدّم المتعلّق باستقلالية القضاء، بل سنعتمد على المسار القانوني التشريعي في مجلس النواب الذي نستطيع من خلاله وضع الحجر الأساس لبناء الدولة. كما نركّز على الوصول إلى اللامركزية”.