خطة لأمريكا وحلفائها لتعطيل طريق الحرير الصيني بمنح الدول النامية 600 مليار دولار، فمن سيستفيد منها؟

“600 مليار دولار لدول العالم الثالث”، مبلغ ضخم تعهدت به خطة مجموعة الدول السبع الصناعية لمساعدة دول العالم النامي، التي أعلنها الرئيس الأمريكي جو  بايدن خلال قمة المجموعة بهدف منافسة مبادرة الحزام والطريق الصينية، ولكن هذا السخاء النادر يثير تساؤلات حول الشروط والثمن الذي يريده الغرب من فقراء العالم مقابل هذه الأموال.

فلقد أعلن الرئيس الأمريكي جو بايدن عن السعي لجمع 600 مليار دولار أمريكي لصالح خطة مجموعة الدول السبع الصناعية المعروفة باسم “خطة برنامج البنية التحتية العالمية”، وتتألف مجموعة السبع من إيطاليا، ألمانيا، الولايات المتحدة، فرنسا، كندا، اليابان، وبريطانيا، يشكلون ما نسبته قرابة 38 بالمئة من الناتج الإجمالي العالمي.




ورغم أن بايدن لم يذكر الصين بشكل صريح، فإن كل التحليلات الإعلامية الغربية أكدت بشكل واضحٍ أن هدف خطة مجموعة الدول السبع الصناعية هو مواجهة مبادرة الحزام والطريق الصينية، التي تهدف حسب بكين لتنمية وبرامج في أكثر من 100 دولة، أغلبها في إفريقيا وآسيا عبر إنشاء نسخة حديثة من طريق التجارة القديم لطريق الحرير من آسيا إلى أوروبا.

وكشف بايدن عن خطة مجموعة الدول السبع الصناعية في 27 يونيو/حزيران 2022، خلال حضوره قمة المجموعة التي تستمر لمدة ثلاثة أيام، في إلماو بولاية بافاريا الألمانية.

وتعد الطاقة النظيفة وتكنولوجيا الاتصالات الآمنة والأنظمة الصحية من بين مجالات التركيز الأساسية للخطة.

من أين سيأتي تمويل خطة مجموعة الدول السبع الصناعية؟

إجمالي قيمة الخطة يبلغ نحو 600 مليار دولار على أن تنفذ حتى عام 2027، وهذه الأموال يبدو أنها ستتنوع بين استثمارات وقروض ومِنح.

ستقوم الولايات المتحدة بتعبئة 200 مليار دولار أمريكي للمبادرة على مدى السنوات الخمس المقبلة، من خلال المنح والتمويل الفيدرالي والاستفادة من استثمارات القطاع الخاص، على أن تجمع بقية دول مجموعة السبع وضمنها الاتحاد الأوروبي وصناديق دولية وإقليمية وشركات قطاع خاص، البقية.

وأشار بايدن إلى أن الأموال الإضافية- التي تزيد على مئات المليارات- يمكن أن تأتي من بنوك التنمية متعددة الأطراف ومؤسسات تمويل التنمية وصناديق الثروة السيادية.

وهذا يضاف إلى 300 مليار يورو أعلن عنها الاتحاد الأوروبي بالفعل،  إلى جانب مساهمات الأعضاء الآخرين، للوصول للهدف العام وهو بناء مخطط بقيمة 600 مليار دولار.

هوس غربي بالتصدي لمبادرة الحزام والطريق الصينية

تهدف خطة مجموعة الدول السبع الصناعية الكبرى إلى التنافس مع “مبادرة الحزام والطريق” الصينية، التي حاولت تعزيز العلاقات مع العالم النامي، لا سيما في آسيا وإفريقيا، من خلال تقديم التمويل لمشاريع واسعة النطاق مثل الطرق والسكك الحديدية والموانئ.

وتهدف خطة مبادرة الحزام والطريق، التي أطلقها الرئيس الصيني شي جين بينغ في عام 2013، إلى تنشيط طريق الحرير القديم من خلال تحديث البنية التحتية والاتصالات لتحسين الاتصال بين آسيا وأوروبا، وتبلغ قيمتها نحو تريليون دولار، ويُنظر إليها على أنها توسع قوة الصين التجارية مع إفريقيا وآسيا وأوروبا.

ولكن الولايات المتحدة، التي يتضاءل نفوذها في المنطقة الآسيوية بعد انسحابها من أفغانستان والعراق، لا تتعامل بلطف مع زيادة استثمارات الصين في هذه المنطقة الحساسة.

وقال مسؤولو البيت الأبيض إن الخطة الصينية لم تقدم سوى قليل من الفوائد الملموسة للعديد من الدول النامية.

ونددت الصين مراراً وتكراراً بالمحاولات الأمريكية لتشكيل تحالف ضد العملاق الآسيوي، وحذَّرت من أن بدء حرب باردة جديدة سيؤدي إلى مواجهة بين القوتين.

من أين سيأتي التمويل؟

ورغم أن بايدن لم يستخدم كلمة “الصين” قط، فإن حقيقة أن التنافس مع بكين هو الدافع وراء الخطة، لا تحتاج إلى برهان، ولم يحاول بايدن إخفاءها، حيث قال لدى إعلانه عن الخطة: عندما “تفعل الديمقراطيات كل ما يمكننا تقديمه”، فإنها ستنتصر على الأنظمة الاستبدادية، مضيفاً: “نحن نقدم خيارات أفضل للناس في جميع أنحاء العالم”.

وأضاف: “أريد أن أكون واضحاً، هذه ليست مساعدة أو صدقة، إنه استثمار سيحقق عوائد للجميع، وضمن ذلك الشعب الأمريكي وشعوب جميع دولنا. وسيعزز جميع اقتصاداتنا”.

وقال بايدن إن “أمتنا والعالم يقفان عند نقطة انعطاف حقيقية في تاريخنا”، معتبراً  أن الاختيارات التي يتم اتخاذها في البلدان النامية اليوم من شأنها أن تحفزهم على مواجهة الصدمات المستقبلية من تغير المناخ والأوبئة وتهيئتهم للعصر الرقمي.

وفي غمز واضح من قناة الصين، قالت رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين، إن مجموعة الدول السبع تقدم “بنية تحتية مستدامة وعالية الجودة” وستستمع عن كثب إلى البلدان المستفيدة، والهدف هو تقديم “دافع استثماري إيجابي قوي للعالم لإظهار لشركائنا في العالم النامي أن لديهم خيارات”.

ولقد ادعى المسؤولون الأمريكيون والغربيون أن الصين توقع الدول التي تتعامل معها في فخ ديون، لا يمكن أن تتحمله البلدان المنخفضة الدخل التي أصبحت جزءاً من مبادرة الحزام والطريق.

وهناك تقارير إعلامية، أغلبها غربية، تفيد بأن الصين تستولي على بعض الأصول الثمينة للدول التي فشلت في سداد ديونها.

أبرز المشاريع

تم الكشف عن خطة البنية التحتية لأول مرة في قمة مجموعة السبع العام الماضي في بريطانيا، ولكن تم إحراز تقدم ضئيل وتمت إعادة تسمية البرنامج.  في عام 2021، أُطلق عليها اسم “إعادة بناء عالم أفضل”، لكن الانهيار الداخلي لأجندة بايدن المحلية أدى إلى لقب جديد: “الشراكة من أجل البنية التحتية العالمية”.

سيكون هذا أيضاً المصطلح الشامل الذي يجسد برامج الاتحاد الأوروبي والمملكة المتحدة.

وسيركز صندوق مجموعة السبع الجديد على مبادرات المناخ، من بين مشاريع أخرى.

وأعلن البيت الأبيض، يوم الأحد، عن عدد قليل من المشاريع المبكرة، من ضمنها تولي الشركات الأمريكية زمام المبادرة في مشروع للطاقة الشمسية في أنغولا، ومفاعل معياري في رومانيا، وكابل اتصالات بحري بطول 1000 ميل سيربط سنغافورة بفرنسا عبر مصر والقرن الإفريقي.

وسلط بايدن الضوء على العديد من المشاريع التي توصف بالرائدة، من ضمنها مشروع تطوير الطاقة الشمسية بقيمة 2 مليار دولار في أنغولا بدعم من وزارة التجارة، وبنك التصدير والاستيراد الأمريكي، وشركة AfricaGlobal Schaffer الأمريكية، ومطور المشاريع الأمريكية Sun Africa.

من بين المشروعات التي أعلِنَ عنها تخصيص 320 مليون دولار لبناء مستشفيات في ساحل العاج، و40 مليون دولار لتعزيز تجارة الطاقة الإقليمية في جنوب شرقي آسيا.

وجنباً إلى جنب مع أعضاء مجموعة السبع والاتحاد الأوروبي، ستقدم واشنطن أيضاً 3.3 مليون دولار في المساعدة الفنية لمعهد Pasteur de Dakar في السنغال، حيث يتم تطوير منشأة مرنة لتصنيع لقاحات متعددة على نطاق صناعي في ذلك البلد الإفريقي يمكنها في النهاية إنتاج لقاح COVID-19 ولقاحات أخرى، وهو مشروع يشمل الاتحاد الأوروبي أيضاً.

ستلتزم الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية (USAID) أيضاً بتقديم ما يصل إلى 50 مليون دولار على مدى خمس سنوات لصندوق حوافز رعاية الطفل العالمي التابع للبنك الدولي.

وقال فريدريك رودر، نائب رئيس مجموعة المواطن العالمي غير الربحية، إن التعهدات بالاستثمار من قبل الدول الغربية يمكن أن تكون “بداية جيدة” نحو مشاركة أكبر من جانب دول مجموعة السبع في الدول النامية ويمكن أن تدعم نمواً عالمياً أقوى للجميع.

وقالت إن دول مجموعة السبع تقدم في المتوسط ​​0.32% فقط من دخلها القومي الإجمالي، أي أقل من نصف الـ0.7% التي وعدت بها كمساعدات تنمية دولية.

وقالت مستدركة: “لكن بدون الدول النامية، لن يكون هناك انتعاش مستدام للاقتصاد العالمي”.

عليكم التخلص من الفحم

ستوفر الشراكة المقترحة أيضاً هيكلاً لدول مجموعة السبع لتجميع مواردها  وتقديم الأموال للاقتصادات الناشئة؛ لإيقاف تشغيل محطات الفحم الخاصة بها.

يتم طرح أولى هذه الشراكات التي يطلق عليها “شراكات انتقال الطاقة العادلة” في جنوب إفريقيا، والبعض الآخر قيد المناقشة في الهند وإندونيسيا وفيتنام والسنغال.

وقال المستشار الألماني أولاف شولتز، أول من أمس الأحد، إن مساهمة برلين في جنوب إفريقيا ستبلغ 300 مليون يورو.

شروط  الخطة غير معلومة، ولكن يمكن التكهن بها

لم تتضح بعدُ شروط خطة مجموعة الدول السبع الصناعية، ولكن حسب المعلن فإن مشاريع الخطة تركز على معالجة تغير المناخ وتحسين الصحة العالمية والمساواة بين الجنسين والبنية التحتية الرقمية.

ولكن قد تكون الخطة بداية لتنفيذ مجموعة من الشروط الأقسى من الشروط الصينية، فقد يؤدي الهوس بترويج القيم الغربية التحررية إلى وضع شروط فيما يتعلق بأوضاع المثليين، وغيرها من الأمور الحساسة اجتماعياً بالنسبة للعديد من دول إفريقيا وآسيا وأمريكا اللاتينية.

وقد تشمل الخطة تطبيق عمليات إصلاح اقتصادي قاسية في الدول النامية، وتتضمن ترشيداً أكبر للإنفاق ورفع أسعار الوقود.

وقد تسعى الخطة إلى الضغط في مجال التحول عن الوقود الأحفوري بطريقة لا تلائم أغلب دول العالم الثالث، إضافة إلى الضغط من أجل مزيد من القيود في مسألة الهجرة غير الشرعية.

على الأرجح، ستكون القروض والاستثمارات والمنح الغربية أكثر تنافسية من حيث أسعار الفائدة من نظيراتها الصينية، ولكن الشركات الغربية في الأغلب لا تستطيع التفوق على منافساتها الصينية في انخفاض تكلفة المشروعات والقدرة على العمل في البيئات الصعبة بالعالم الثالث.

كما أنه بالنسبة لكثير من حكام العالم الثالث المستبدين فالشروط الغربية- حتى لو كانت شكلية فيما يتعلق بقضايا حقوق الإنسان- أمر مزعج، عكس الصين، التي لا تأبه لهذا الأمر مطلقاً، (بل قد تفضل الحكومات المستبدة).

أيضاً، الكثير من أهداف الخطة  الغربية الجديدة تبدو طموحة للغاية، ولكنها تثير تساؤلات حول كفاية التمويل المقترح لها، وأنه لن يستطيع تلبية أهدافها، فقيمة الأموال التي خصصتها الدول السبع- وهو 600 مليار دولار- أقل من الصين التي خصصت لمبادرتها نحو تريليون دولار، علماً بأن حجم اقتصادات المجموعة يفوق حجم اقتصاد بكين عدة مرات.

إحدى المفارقات أن الخطة قد تنتهي بأن يتم تشييد جزء كبير من مشروعاتها عبر شراء مستلزمات صينية؛ لكونها أرخص من الناحية الاقتصادية وأنسب لدول العالم الثالث، وقد نجد مشروعات في الخطة يتم منحها للشركات الصينية كمقاولين من الباطن، مثلما تفعل الشركات الغربية في عقر دارها.

وقد تشترط الخطة فرض قيود على الاستثمارات الصينية أو التجارة معها مثل التوسع في منع شركات مثل هواوي الصينية العملاقة، من إنشاء بنية تحتية للاتصالات في الدول المستفيدة، وهو ما يعد شكلاً من أشكال التعدي على سيادة دول العالم الثالث.

والأسوأ أن يؤدي التنافس بين خطة مجموعة السبع الصناعية ومبادرة الحزام الصينية إلى تقسيم العالم لمناطق نفوذ، فتتحول الدول التي ترى الشروط الصينية أنسب لها إلى مزيد من الاعتماد على الصين، ويتحول المستفيدون الكبار من الخطة التي أعلنها بايدن  لمزيد من التبعية للغرب.