انقسام طائفي لبناني: كيف تقول رضيت بك زوجا؟

كانت دونا ماريا نمور تحلم بعيش قصة حب. ورقصت مع مازن جابر لساعات في الليلة التي قابلته فيها للمرة الأولى.

لكن قصتهما تتجاوز مجرد لقاء رومانسي لطيف وسعادة دائمة. فهي تشمل الخلافات في لبنان حول السياسة الطائفية والحقوق المدنية، ودور الدين والرؤى المتنافسة حول كيفية تقدم البلد الذي مزقته الأزمة.




وعندما قررا الزواج، كانا يريدان مراسم مدنية وليس دينية، وليس فقط لأنها كاثوليكية وهو درزي. كما أرادا إبعاد السلطات الدينية عن احتفالهما. وقالت نمور إن هذا “أفضل خيار للمساواة بيننا”. لذلك، سافر العريسان إلى قبرص لعقد قرانهما.

ويتكرر الجدل في لبنان حول ما إذا كان يمكن عقد مثل هذه الزيجات المدنية داخل البلد الغارق في التشابكات الدينية والسياسية.

واندلعت هذه القضية من جديد بعد أن رفع عدد قليل من المشرعين المنتخبين مؤخرا أيديهم بالموافقة عند سؤالهم على التلفزيون عما إذا كانوا سيدعمون الزواج المدني “الاختياري”. وأثار ذلك غضب أولئك الذين يصرون على أن الزيجات يجب أن تظل تحت سيطرة السلطات الدينية.

ويجادل مؤيدو الزواج المدني بأن المعركة الثقافية حول كيفية قول “أقبل” هي جزء من معركة أكبر حول زيادة الحقوق المدنية والشخصية، وتقويض السلطة الدينية داخل النظام الطائفي في البلاد، وهدم الانقسامات الطائفية المتأصلة في السياسة وما بعدها.

وقالت ليلى عواضة المحامية والمؤسسة المشاركة لـ”كفى”، وهي منظمة علمانية نسوية الضغط من أجل قانون الأحوال الشخصية الذي من شأنه أن يشمل الزواج المدني للجميع، إن “الاستياء من النظام الطائفي أدى إلى زيادة المطالب بنظام مدني لأن النظام الديني كان يؤثر سلبا على حياتنا الاقتصادية ويؤدي إلى التستر على الفساد”.

ويندد المعارضون بالزواج المدني باعتباره منافيا للدين ويقولون إنه سيفتح الباب لإضفاء الشرعية على عدد لا يحصى من الممارسات التي تنتهك الأحكام والتعاليم الدينية. وجاء رد الفعل العنيف ضد موقف المشرعين الجدد سريعا. ووصفه رجل دين مسلم بأنه حرب على الله.

وكان البرلمانيون الموافقون جزءا من مجموعة صغيرة يطلق عليها بشكل غير رسمي اسم “قوى التغيير”. وفازت في الانتخابات في مايو، لتمثل حركة احتجاجية تحدّت الأحزاب التقليدية. وهم ضد نظام طائفي راسخ ونخبة سياسية يلومها الكثيرون على أزمات لبنان.

ويمكن لعقيدة المرء أن تفتح الأبواب وتغلقها في لبنان الذي يبقى موطن الديانات المتعددة المعترف بها رسميا. حيث تُمنح الرئاسة لمسيحي ماروني، ورئاسة البرلمان لشيعي، ورئاسة الوزراء لسني، وتنقسم المقاعد البرلمانية على أساس الانتماء الديني.

ويخشى البعض من أن يؤدي تعطيل الصيغة الدقيقة لتقاسم السلطة إلى حدوث فوضى، مستشهدين بالحرب الأهلية التي استمرت 15 سنة وانتهت في 1990. ويتهم آخرون القادة السياسيين بتأجيج مثل هذه المخاوف للحفاظ على السلطة وترسيخ الولاءات الطائفية من خلال توزيع المناصب والامتيازات على أتباع طوائفهم الدينية، مما يضعف الدولة.

وتحكم الجماعات الدينية اللبنانية شؤون مجتمعاتها بشكل قانوني عندما يتعلق الأمر بالزواج والطلاق وحضانة الأطفال. ويرى المؤيدون أن هذا يحمي الحرية الدينية والتنوع.

لكن نشطاء الحقوق المدنية يتهمون المحاكم الدينية بالتمييز ضد المرأة ويقولون إن اللبنانيين يُعاملون بشكل مختلف حسب انتمائهم الديني في هذه القضايا العائلية الأساسية.

ويسافر أولئك الذين يسعون للزواج المدني بعيدا عن التعقيدات التي تعترض ذوي الديانات أو المذاهب المختلفة عموما إلى الخارج، حيث تعدّ قبرص الوجهة الأكثر شيوعا.

ولا يشترط عقد الزواج المدني على الطريقة القبرصية أن يكون الزوجان من نفس الديانة أو المذهب، وهو يضمن حقوق الزوجين في حال الانفصال.

واختار نادر فواز، البالغ من العمر 37 سنة، الزواج المدني رغم أنه وزوجته يشتركان في الانتماء الديني. لكنهما لم يغادرا البلاد لعقد القران 2020 وقررا تحدي الوضع الراهن بالزواج في لبنان. وتزوجا بموجب مرسوم قديم وفّر فرصة اعتماد طابع مدني للأشخاص غير المنتمين إلى ديانات.

عقيدة المرء يمكن لها أن تفتح الأبواب وتغلقها في لبنان الذي يبقى موطن الديانات المتعددة المعترف بها رسميا

وقال فواز “أردنا أن نقول إن هذا الحق موجود في لبنان… لكن السلطات السياسية توقفه وتمارس السلطات الدينية ضغوطا لمنعه حتى تتمكن من الحفاظ على مصالحها”.

وبناء على تجارب بعض الأزواج الآخرين، لم يتوقع نادر وزوجته أن تسجّل السلطات اللبنانية زواجهما بالكامل وتصدر بطاقة هوية عائلية تقليدية لهما، لذلك لم يكلفا نفسيهما عناء طلب واحدة.

ولفت فواز “ليس هذا عملا ثوريا كبيرا، لكنها وثيقة احتجاج في وجه النظام الحاكم”. ثم عقدا زواجا مدنيا في قبرص وانتقلا إلى هناك في النهاية.

وقال كاتب العدل جوزيف بشارة، الذي أشرف على زواجهما في لبنان، إنه أشرف على العشرات من الزيجات المماثلة منذ 2012. وقُبل تسجيل البعض بشكل كامل، لكن تقرر حظر العديد بسبب “عقبات تنفيذية”.

ويدافع أنصار إبقاء الزواج في أيدي السلطات الدينية عن النظام الحالي.

وقال القاضي الديني السني خلدون عريمط إن “لدينا شريعة إسلامية نلتزم بها، وليست هذه الشريعة عقبة أمام الوحدة المجتمعية بأي شكل من الأشكال”.

كما جادل عريمط وآخرون بأن إثارة قضية الزواج المدني الآن يعدّ إلهاء عن مشاكل أكثر أهمية في الوقت الذي تكافح فيه البلاد وسط الانهيار الاقتصادي الذي أدى إلى نقص في الأساسيات مثل الكهرباء ودفع الكثيرين إلى المغادرة والبحث عن فرصة في بلدان أخرى.

وتابع أن “الناس الآن بحاجة إلى الكهرباء والمياه والوقود وحل مشكلة البطالة”.

ويوافقه الرأي مدير المركز الكاثوليكي للإعلام القس عبده أبوقاسم. وتساءل “هل يأتي خلاص لبنان من خلال قانون الزواج المدني؟ ألا يجب أن نخرج أنفسنا من الحفرة التي نحن فيها؟”.

وقالت المحامية عواضة إن الحاجة إلى التغيير نشأت من مثل هذه الأزمات.

وصرّح أبوقاسم بأن كنيسته لا تقبل الزيجات المدنية كبديل للمراسم الكاثوليكية وستعارض قانون زواج مدني اختياري لأنه “لا ينبغي لنا أن نربك الناس أو نضعهم في موقف قد يهز إيمانهم”.

وذكر أنه إذا كانت الدولة ستفرض زيجات مدنية، فإن الكنيسة ستمتثل للقانون، لكنها ستحث أتباعها على إقامة حفلات زفاف كاثوليكية.

وبالنسبة إلى نمور وجابر، كان الزواج المدني أمرا لا يحتاج إلى تفكير. فهما ينتميان إلى طائفتين دينيتين مختلفتين. وتُعرّف نمور نفسها على أنها ملحدة ولا يريد جابر أن يُصنّف معتقداته.

وقالت نمور إن الأمر يتعلق بالحقوق “في مجتمع أبوي يمنح الرجال المزايا الأكبر”، مضيفة أنهما كانا سيختاران الزواج المدني بغض النظر عن الخلفيات الدينية.

وقبل اندلاع الجدل الأخير، تزوّجت نمور جابر في قبرص. وكان ابن عمها ضيفا وشاهدا، حيث كانت الرحلة مكلفة للغاية بالنسبة إلى أفراد الأسرة الآخرين.

وأمسكت نمور بيد جابر، ونظرت في عينيه ووعدته بمشاركته أفراحه وأحزانه إلى الأبد.

وردد كاتب العدل “مبروك”، مهنئا العروسين بالعربية.

وترى نمور أن الكفاح من أجل الحصول على حقوق الزواج المدني سيكون طويلا في بيروت. وصرّحت “ربما ليس في حياة جيلنا، لكن هذا سيحدث”. وهي اليوم حامل بطفلها الأول.

ويشار إلى أن الرئيس اللبناني ميشال عون كان أثار جدلا واسعا في العام 2019 بعد تأكيداته على أن الزواج المختلط يؤمن انتقال البلاد من الطائفية إلى المجتمع المدني.