الحكومة “عالقة” والترسيم لما بعد عهد عون… معارك جانبية بين “حزب الله” وإسرائيل بديلاً للحرب!

ابراهيم حيدر – النهار

يُرجح أن تمر أيام وأسابيع أيضاً من دون أن يتمكن الرئيس المكلف نجيب ميقاتي من تشكيل #الحكومة. ينتظر الجميع التشكيلة الاولى التي سيقدمها ميقاتي بعد الاستشارات النيابية، وما إذا كانت تشكيلة معدلة عن حكومة تصريف الأعمال، وهو يبدو أنه قادر على المناورة طالما لا أحد غيره في الساحة من البيئة السنية، وان كانت رافعته شيعية، كما أنه يستطيع أن يراوغ في وجه رئاسة الجمهورية التي لديها شروط محددة ترتبط بالاستحقاق الرئاسي المقبل وملفات أخرى محلية وإقليمية، والتي تراهن أيضاً على تحقيق انجاز قبل انتهاء العهد. لا يقف التأليف عند ذلك فحسب، بل هو مرتبط أيضاً بما يحدث إقليمياً ودولياً، ليس لأن لبنان أولوية لدى المجتمع الدولي، إنما هو جزء من ساحات الصراع الإقليمية والتي تتقدم ملفاتها بقوة، وأبرزها ملف ترسيم الحدود البحرية الذي كاد أن يتفجر لو لم يسارع الاميركيون إلى التدخل عبر الوسيط آموس هوكشتاين المتوقع أن يحمل الردود الإسرائيلية على الطلب اللبناني باعتماد الخط 23 وحقل قانا كاملاً.




في عملية التأليف لن يكون ميقاتي حراً أمام “#حزب الله” الذي يستطيع أن يقيده بمسارات محددة، لكنه في المقابل متحرر من اي طلب للقوات اللبنانية التي لم تسمه، وهو سيستغل المرحلة الانتقالية والضيقة الفاصلة عن انتهاء ولاية العهد لتكون تشكيلته متناسبة مع ما فعله في حكومة تصريف الاعمال الحالية بالاستمرار في تطبيق خطته للتعافي والتفاوض مع صندوق النقد الدولي، تحضيراً لاحتمال أن يصبح، إذا تمكن من التشكيل، رئيساً لحكومة تتسلم صلاحيات رئاسة الجمهورية في حال عجز مجلس النواب عن انتخاب رئيس للجمهورية في الاستحقاق المقبل ودخول لبنان في فراغ رئاسي كما حدث بين عامي 2014 و2016.

ترسيم الحدود البحرية سيكون ملفاً ضاغطاً خلال الفترة المقبلة، وتداعياته تنعكس على التأليف الحكومي وأولويات الرئاسة الأولى في هذا المجال. وتشير المعلومات إلى أن ملف #الترسيم غير قابل للحل قبل انتهاء ولاية ميشال #عون، لكن ذلك لا يعني أن الامور وصلت إلى طريق مسدود وأن الحرب باتت خياراً وحيداً، فالظروف الإقليمية والدولية لا يبدو أنها مواتية للتصعيد في هذه المنطقة الحساسة، إذ أن الوضع اللبناني المتدهور والازمة الحكومية في إسرائيل وانشغال العالم يتداعيات الحرب الروسية – الاوكرانية، تؤكد أن لا أحد يريد حرباً الآن، خصوصاً وأن هناك حراكاً أميركياً نحو المنطقة، إن كان في زيارة الرئيس جو بايدن أو عبر وسطاء، إضافة إلى لقاءات القمة بين أكثر من زعيم في المنطقة.

يبدو واضحاً وفق مصدر دبلوماسي أن هوكشتاين لم يتلق رداً إسرائيلياً حاسماً على الطلب اللبناني، وهو ليس بوارد انتزاع موافقة إسرائيلية في الأساس، بل هدفه منع الصدام الذي ستكون له ارتدادات على الدول كلها. وحتى الآن ترفض إسرائيل وقف عمل الباخرة اليونانية، من دون أن يعني ذلك أنها دخلت عمق الخط 29 المتنازع عليه. وعلى هذا لن يتجه لبنان أو “حزب الله” إلى التصعيد، إنما ستتكثف الاتصالات اللبنانية – الدولية خصوصاً مع الأميركيين للوصول إلى حل، مع التأكيد على رفض الاستخراج الإسرائيلي للغاز أو بدء عمل المنصة الإسرائيلية في المنطقة المتنازع عليها. فرئيس الجمهورية ميشال عون الذي يريد تحقيق انجاز في هذا الملف قبل انتهاء الولاية، سيعتبر وفق الدبلوماسي أن وقف عمل الباخرة على حدود الخط 29 يعتبر إنجازاً بمنع التقدم الإسرائيلي، اي ابعاد الباخرة عن حقل كاريش المتداخل مع الثروة اللبنانية، وهذا ما تلقفه هوكشتاين، وفق المصدر، ومحاولته التوصل الى حل وسط، من دون ان يعني ذلك أن إسرائيل لن تحاول استغلال نقاط الضعف اللبنانية والبدء بتشغيل منصتها لاستخراج الغاز.

بالتزامن سيعمل الوسيط الأميركي على إبقاء الستاتيكو القائم، في حال عجز عن التوصل إلى حل. ويقول المصدرالدبلوماسي أن الوجهة ستكون باستمرار مهمة هوكشتاين إلى أن تنضج ظروف مواتية تسمح بالوصول الى تسوية أو حل، وعليه سيبلغ لبنان أنه مستمر بمساعيه وبإدارة التفاوض غير المباشر، مع احتمال دخول الأمم المتحدة على الخط ومواكبتها لملف ترسيم الحدود البحرية انطلاقاً من الوظيفة التي تتولاها قوات اليونيفل في الجنوب اللبناني، وإرسال بعثات ووفود إلى إسرائيل ولبنان، وذلك لمنع حصول أي تصعيد يؤدي إلى حرب شاملة. وتبدو المرحلة الفاصلة عن انتهاء ولاية العهد، أي لأربعة أشهر، مهمة لوضوح مصير عدد من الملفات، فباستثتاء ما ستكون عليه الحرب الروسية على أوكرانيا، ستتضح وجهة المفاوضات النووية غير المباشرة، وأيضاً المحادثات الإقليمية وفي مقدمها الإيرانية – السعودية، وما سينتج ايضاً عن زيارة بايدن للمنطقة ولقائه ولي العهد السعودي محمد بن سلمان. وفي انتظار تفاهمات أو تسويات، يستمر الأميركيون في إدارة التفاوض حول الحدود البحرية، وإبقاء الوضع على ما هو عليه، أي منع التصعيد اللبناني إلى مرحلة تؤدي إلى الحرب، خصوصاً وأن لبنان رفض عروضاً تتعلق بتكليف شركات عالمية للتنقيب في الحقول المشتركة، وفي المقابل الضغط على إسرائيل بالا تتجاوز السفينة اليونانية الخط 29 لاستخراج الغاز.
استبعاد الحرب في المرحلة الراهنة لا يعني أن المنطقة ستكون هادئة، بل ستسعى الاطراف كلها إلى خوض معارك لتحسين مواقعها. إسرائيل ستحاول خرق الخط 29 باستغلال نقاط ضعف معينة، مع الاستمرار في حربها الاستخبارية ضد إيران وتوجيه ضربات في سوريا، فيما “حزب الله” يسعى إلى تجميع أوراقه الاقليمية، إن كان فلسطينياً مع حماس بعد زيارة اسماعيل هنية إلى بيروت، ومع النظام السوري، ولا يستبعد التصعيد ضد دول إقليمية خصوصاً السعودية في ما يتعلق بالملف الحكومي، وإعلان استعداده للحرب في مواجهة اي خرق إسرائيلي للحدود البحرية. وإلى حين التسويات بعد الكباش الإقليمي تستمر الانسدادات الخطيرة في معركة تشكيل الحكومة والصراع على توازناتها، ومحاولة الاطباق على القرار السياسي وتكريس الهيمنة. وهنا تبدو حسابات “حزب الله” مختلفة، فشروطه غير المعلنة ترتبط بموقعه الإقليمي أولاً وأيضاً بالتغطية المطلوبة لسياساته، وهو أمر وفره ميقاتي سابقاً لكنه لا يستطيع الاستمرار به مع التصعيد الإقليمي واستخدام الحزب لموقع القوة وسلاحه.