“الحكيم” الذي لم نعد نفهمه

مصطفى فحص – الحرة

مرة أخرى يُخفق الدكتور سمير جعجع في تحديد خياراته، خصوصا المرحلية، وكان بالغنى عن الإحراج الذي سببه لنفسه أولا ولحزبه ثانيا وللمسيحيين ثالثا، ولأطراف تميّزه نسبيا عن غيره من الطبقة السياسية ومستعدة للتفاهم أو تنظيم اختلافها معه، لو انه اكتفى بالجزء الأول من موقفه من الاستشارات النيابية دون ان يستكملها بالغمز من قناة المُرشح لمنصب رئيس الوزراء الدكتور نواف سلام.




فقد فاجأ جعجع الجميع في تصريحاته عن سلام، وحجم تناقضها مع تصريحات سابقة عنه، دفعت الكثيرين إلى الاعتقاد بأن تسمية سلام في المرة السابقة لم تكن إلا كيدية وليست قناعة، وأن ما جرى يوم الخميس الفائت هو الموقف الفعلي لجعجع من سلام، وهذا ما فتح علامات استفهام بشأن مواقفه لدى مستويات عديدة من التشارنة نوابا ونشطاء ومجموعات، مرورا بالآذاريين السابقين والمستمرين، إلى بعض الأحزاب الشريكة والصديقة، لكن الاستغراب والاستهجان جاء من نخب مسيحية وسنية.

رفضت القوات اللبنانية تكليف رئيس الوزراء نجيب ميقاتي تشكيل حكومة العهد الأخيرة، كما حجبت أصواتها عمن كان من المفترض أن يكون نقطة تقاطع بينها وبين الانتفاضة من جهة، وبينها وبين جزء أساسي من النخب السياسية والثقافية والاجتماعية السنية، وبعض القوى السياسية الأخرى.

لكن جعجع تصرف خارج بدعة الميثاقية، إذ لم يجد اسما سنيا صالحا لرئاسة الوزراء، رغم  وجود مخارج سهلة لتلك المعضلة لو أنه اكتفى بالحديث عن سلام أو من يشابهه وبأن المرحلة الحالية ليست مناسبة، لا أن يتصرف وكأنه من بيده تحديد من يمثل السنة، لأن في أبسط ردات الفعل ممكن لأي طرف سني أن يفسر موقف جعجع بأنه انقلاب جديد على الطائف واستلحاق بحلف الأقليات من أجل إضعاف موقع السنة في لبنان، وهذا يضعه في خانة الثنائي الشيعي والتيار العوني، ويفتح عليه السؤال مستقبلا كيف سيكون رد فعل السنة إذا ترشح جعجع لرئاسة الجمهورية، بعدما تصرف مع ميقاتي وسلام بهذه الطريقة؟

إشارات الامتعاض من تصرف حزب القوات اللبنانية تسربت من بكركي أيضا، وما نقلته الزميلة دنيز عطالله في صحيفة المدن الإلكترونية عن أجواء البطريركية المارونية المنزعجة من عدم تسمية القوى المسيحية رئيسا للحكومة، حيث وضعت تخوفها في مكانه الصحيح، حين ربطت هذا التصرف باستحقاقات إنتخابية مقبلة  تخص المسيحيين والموارنة تحديدا، لكن الأوضح مما نقلته عطالله انه “كانت الفرصة مناسبة للإعلان أن في البلد من لم يستسلم بعد، وأن البدائل ممكنة وموجودة ويُحسب لها حساب. لكن القوات والتيار اختارا ألا يفعلا. وإذا كان موقف التيار مفهوما كـ “شريك مضارب” في السلطة، فإن موقف القوات بدا مستغربا”.

هفوة الحكيم الميثاقية – بلغة السلطة وليس الانتفاضة – التي سارع وزيره المرن النائب ملحم رياشي إلى معالجتها، قبل أن تترك تداعيات سلبية على العلاقة ما بين القوات وأطراف عدة، خصوصا أنها لو تركت دون معالجة، وبعد ما سُرب عن بكركي، قد تؤثر على الاستحقاقات المقبلة وقد تستغلها أطراف تتربص بالصيغة اللبنانية وتنتظر أزمة السلطة في تشرين حتى تتعامل معها كأزمة نظام غير قابل للاستمرار في صيغته الحالية وبالتحديد المناصفة التي تمسك بها اتفاق الطائف.

ويبقى جانب آخر، يبدو أن رياشي نجح في احتوائه الموقف وقطع الطريق على المتضررين من طرح إسم سلام خصوصا في الوسط السني، الذين تعاملوا مع موقف جعجع أنه يمثل وجهة نظر عربية خليجية أيضا، وهذا ما يضر بالدور العربي والخليجي في لبنان ويخدم من يحاول تحريض سنة لبنان عليهما.

كانت فرصة الحكيم في 17 تشرين (أكتوبر) 2019 أن يتجاوز خطيئة اتفاق معراب، لكنه وبسبب تركيبة القوات وتمثيلها تعامل مع استحقاقات ما بعد الانتفاضة (بضربه على الحافر وضربة على المسمار) وتأرجحت العلاقة ما بين محاولة القوات أن تكون جهة قائدة للشارع وبين اعتبار الانتفاضة القوات اللبنانية جزء من السلطة والتمسك بشعار “كلن يعني كلن”، الذي يُصر الحكيم ببعض مواقفه على تثبيته.

وبالرغم من شعبوية الشعار إلا أن جعجع كان بحاجة إلى التكيّف معه كما تكيّف جنبلاط، خصوصا أن هذا الشعار لو طُبق سيخضع لمعايير القضاء وحجم المشاركة في السلطة والفساد.

لكن يبقى الاستغراب الأكبر الذي بسببه لم نعد نفهم الحكيم الذي (الحق يقال) كان أول من تمسك بالطائف والمصالحة العامة في 2005 والوحيد الذي اعتذر عن الحرب، لكن عندما ينظر خارج الصندوق يتميز، وعندما يتصرف كحزبي يصدمك كيف (يقرّش) المواجهة من الجنوب الثالثة، إلى الاستشارات النيابية.