حكومة تصريف الأعمال بصلاحيات رئيس الجمهورية.. سابقة دستورية تنتظر لبنان ولا حلول اقتصادية في الأفق

الآن وقد انتهت الاستشارات البرلمانية الملزمة في لبنان بتكليف رئيس حكومة تصريف الأعمال نجيب ميقاتي من جديد لرئاسة الحكومة اللبنانية، تصبح هذه الحكومة هي الأخيرة في عهد رئيس الجمهورية ميشال عون.

لكن يبدو أن مهمة تشكيل هذه الحكومة ستحمل الكثير من المصاعب، مثلما اعتادت الحكومات اللبنانية في السنوات الأخيرة. بل ربما يكون تشكيل هذه الحكومة هو الأصعب منذ سنوات طويلة في ظل نتائج الانتخابات الأخيرة التي غيرت من وزن القوى والتحالفات، خصوصاً الضربة القوية التي تلقاها التيار الوطني الحر.




صعوبة في تشكيل حكومة

يشير مصدر حكومي مطلع لـ”عربي بوست” إلى وجود مجموعة من الموانع التي تحول دون إمكانية تشكيل هذه الحكومة في المدة الزمنية المتبقية من عهد ميشال عون، والتي تنتهي في 31 أكتوبر/تشرين الأول من العام الحالي.

المانع الأول يتعلق بالعامل الزمني المرتبط بالاستحقاق الرئاسي والعمر الافتراضي للحكومة، التي إن تشكّلت اليوم، فلن يزيد عن أربعة أشهر، وهي الفترة المتبقّية من عهد الرئيس عون، والتي تُعتبر فترة انتقالية، الأولوية فيها للتوافق على شخصية تحظى بقبول وتوافق بين المكونات السياسية والإقليمية لرئاسة الجمهورية.

هنا تكمن صعوبة لا يستهان بها، تفتح الباب على شتى الاحتمالات، بما فيها عدم التمكن من إجراء الانتخابات الرئاسية في موعدها الدستوري، وهذه المرحلة الانتقالية الرئاسية، معطوف عليها العمر القصير للحكومة، يطفئان الحماسة السياسية لحكومة حتى ولو تشكّلت اليوم، فستنتهي ولايتها بعد عدة أسابيع إن أُجريت الانتخابات الرئاسية في موعدها، لترحل هذه الحكومة وتأتي أخرى جديدة.

ومهما كان شكل الحكومة الجديدة فلن يكون في مقدورها أن تفعل أو تنجز شيئاً في هذه الفترة، وبالتالي تشكيلها أو عدمه لا يشكّل أي فارق.

العامل الثاني هو العامل السياسي الذي يمنع ميقاتي من تشكيل حكومته الثانية. فالجو السياسي بعد الانتخابات النيابية والانقسامات الحاصلة بشكل عمودي في البرلمان، والتي تفتقد إلى التوازنات التي كانت تشكل على أساسها الحكومات السابقة.

وبالتالي، يستحيل تشكيل حكومة، في جوّ ملبّد بمكوّنات سياسيّة محكومة بتباينات وخصومات وانقسامات أكثر حدّة وعمقاً ممّا كانت عليه قبل الانتخابات.

صراع دستوري قادم

ويرجع المصدر العامل الأهم لعدم القدرة على تشكيل حكومة إلى تفضيل رئيس الجمهورية وتياره الذي يقوده صهره- جبران باسيل- الإبقاء على هذه الحكومة الحالية كونها تتيح للتيار الوطني الحر التحكم بقرارات الحكومة في حال طالت مدة الفراغ في سدة رئاسة الجمهورية، وآلت الصلاحيات لمجلس الوزراء مجتمعاً ما يخول عون وباسيل الاستمرار في التحكم بالحكومة الحالية والتي حصلا على حصة الثلث المعطل فيها.

وعليه- وفقاً للمصدر- ستتولّى حكومة تصريف الأعمال القائمة صلاحيّات رئيس الجمهورية بمقتضى المادة 62 من الدستور، لذا سنكون عملياً أمام سابقة لا مثيل لها في تاريخ لبنان في حال فشل الرئيس المكلّف في تشكيل حكومة وعدم التمكّن من انتخاب رئيس الجمهورية في الموعد المحدد.

بالتالي، فإن بقاء حكومة تصريف الأعمال قائمة سيفتح نقاشاً دستورياً واسعاً حول مدى شرعية حكومة تصريف الأعمال في تسلّم صلاحيات رئيس الجمهورية.

ترى المحللة والكاتبة السياسية اللبنانية ملاك عقيل أنه في حال تمكّن ميقاتي من تأليف حكومة وعدم التمكّن من انتخاب رئيس للجمهورية، سنكون أمام نموذج حكومة تمام سلام التي دخلت في مرحلة تصريف الأعمال لمدة سنتين أي من 2014 حتى 2016 بعد الفشل في انتخاب رئيس يخلف ميشال سليمان، والتي عُرِفت حكومته يومها بـ”حكومة الـ24 رئيساً”.

كانت هذه الحكومة تلتئم بشكل دوري انسجاماً مع مقتضيات المادة 62 من الدستور التي تشير صراحة إلى أنّه “في حال خلوّ سدّة الرئاسة الأولى لأيّ علّة كانت تُناط صلاحيّات رئيس الجمهورية وكالةً بمجلس الوزراء”.

وبالتالي كان أي قرار يصدر عن مجلس الوزراء أو مرسوم يتطلّب توقيع الوزراء جميعاً نيابة عن رئيس الجمهورية.

لكن ووفقاً لعقيل، فإنّ ميقاتي، حتى قبل تسميته رئيساً مكلّفاً، كان يتبنّى خيار تشكيل حكومة من حاضنة الحكومة الحالية مع تعديلات وزارية محدودة لا تقيِّد عمله في الأشهر القليلة المقبلة قبل انتخاب رئيس جديد للبلاد، خصوصاً حين أكد أنه مرتاح مع هذا الفريق الوزاري.

رئيس الوقت الضائع

بالتوازي يعتقد المحلل السياسي منير الربيع أن ميقاتي يأتي غالباً في مراحل انتقالية، أو في وقت مستقطع، بين مرحلة وأخرى وذلك ابتداءً من تجربة 2005 بعد اغتيال الرئيس الراحل رفيق الحريري، مروراً بمرحلة 2011 بعد الإطاحة بالرئيس سعد الحريري ووصولاً لتجربة 2021 حين كُلف ميقاتي بإدارة مرحلة التفاوض مع صندوق النقد الدولي وإجراء الانتخابات النيابية.

حالياً يعود ميقاتي للإشراف على الانتخابات الرئاسية وتمرير المرحلة. وهو يعود رئيساً مكلفاً ورئيساً لحكومة تصريف أعمال، وربما رئيساً متسلماً صلاحيات رئيس الجمهورية في حال دخل لبنان في الفراغ الرئاسي.

ووفقاً للربيع، فإنه وقبل أيام من تكليفه، عقد ميقاتي لقاءات مع شخصيات عدة، وتشاور مع بعض رؤساء الحكومة السابقين، وتطابقت نظراتهم حول عدم وجود شخصية سواه. ففي ظل بقاء ميشال عون في قصر بعبدا لا داعي “لحرق أسماء” المزيد من الشخصيات أو رؤساء الحكومة، وطالما أن معركة التأليف ستكون صعبة جداً، إن لم تكن مستحيلة، إلا إذا سلّم ميقاتي بشروط عون وفريقه.

لا إصلاحات وصندوق النقد بعيد

اقتصادياً يعتبر الباحث في الشؤون الاقتصادية خضر حسان أن ميقاتي لن يستطيع قيادة المرحلة المقبلة نحو توقيع الاتفاق مع الصندوق. فحكومته إن تشكّلت، ستنشغل بإدارة البلاد حتى انتهاء عهد رئيس الجمهورية ميشال عون وربما بعده. وإن اصطلحت أحوال الرئاسة سريعاً، فإن توقيع طلب الحصول على مساعدة الصندوق، لم يتحوَّل بعد إلى اتفاق فعلي.

وبحسب حسان، فإنه من عهد حكومة الرئيس حسان دياب إلى حكومة ميقاتي، لم تتوصّل السلطة السياسية إلى سبيل واضح للإنقاذ الاقتصادي، إذ يسعى كل طرف إلى إخراج نفسه بأقل خسائر ممكنة، ويُفضّل عدم تكبّد الخسائر، حتى وإن عنى ذلك تحميلها للناس، سواء بتحميل الثقل الأكبر للمودعين في المصارف أو بزيادة الضرائب والرسوم والذهاب للخصخصة ما يمكن من مؤسسات الدولة، مع ما يعنيه ذلك من رفع للتعرفات والتكاليف.

ويرى حسان أن الحكومة لم تحسم ما ستقوم به لجهة تشريع تنفيذ الإصلاحات المالية وإعادة هيكلة القطاع المصرفي وخفض الدين العام وتوحيد أسعار الصرف وإجراء قانون “الكابيتال كونترول” والرؤية حيال مؤسسات الدولة، وما إلى ذلك من الخطوات الإصلاحية المطلوبة من صندوق النقد.

وهذا التلكّؤ يُنذر وفقاً لحسان بمحنة لميقاتي آتية وتخبّط الحكومة المستقبلية. ولذلك، فإن الاتفاق مع صندوق النقد ما زال بعيداً. والأبعد، هو الانتشال من الغرق، لأن ما سيقدّمه الصندوق في حال الاتفاق معه، هو 3 مليارات دولار، في حين يحتاج لبنان للخروج من أزمته، بين 15 إلى 20 مليار دولار.





عربي بوست