ميقاتي في جرعته الرابعة، هل ينجح في تطعيم حكومته؟

سابين عويس – النهار

لا ترقى التباينات الكثيرة بين “#حزب الله” وحركة “#أمل” الى الحد الذي يُخرج طرفي الثنائية الشيعية عن طورهما بما من شأنه ان يعكس تلك التباينات في العلن، بل على العكس، يحرص الثنائي على الظهور دائماً بمظهر موحد في مقاربة الملفات والاستحقاقات، كما في القرار الموحد حيال استراتيجية إدارة الأزمة والعلاقة مع الحلفاء كما مع الخصوم. هكذا نجح الحزب وبإدارة محنكة لرئيس المجلس نبيه بري من قلب المعادلة التي أسفرت عنها الانتخابات النيابية، فتحولت الأقلية التي حظي بها هذا الفريق الى اكثرية قادرة على فرض قواعد اللعبة على كل الافرقاء الآخرين. بدأ الامر بالتجديد لبري مروراً بنيابة رئاسة المجلس وانتخاب اللجان وصولاً الى تسمية الرئيس #نجيب ميقاتي رئيساً مكلفاً تشكيل حكومة جديدة، رغم أنف المعترضين.




الفارق بين الثنائية الشيعية انها متماسكة رغم خلافاتها، في وجه تشتت قيادات الطوائف الاخرى، ولا سيما على المستوى المسيحي والسني، حيث أدى خروج سعد الحريري من معادلة الحكم الى كسر حصرية تمثيل طائفته، وتوزع مقاعدها على تكتلات صغيرة عاجزة عن الاستئثار بكلمة الفصل. فيما بدا واضحاً على الضفة المسيحية، عمق الخلافات والصراعات القائمة في شكل أساسي على السلطة والمكاسب بحيث بدت ثنائية “القوات اللبنانية” -“التيار الوطني الحر”على طرفي نقيض، استفحلت من خلالها الشروخات والتشرذم والتشتت في ظل الانقسام الصارخ بين الكتلتين الأكثر تمثيلاً، ما جعل الاستئثار بالقرار المسيحي أكثر سهولة، تماماً كما اختراقه لمصلحة أقلية وإنما صلبة في أهدافها وأجندتها. هكذا مشهد، سمح للحزب والرئيس بري إدارة الاستشارات النيابية واحتساب الأصوات بدقة ( بفارق ٣ أصوات اذ كان البوانتاج ان ينال ميقاتي ٥٧ صوتاً)، واعادة تكريس رئاسة ميقاتي للحكومة العتيدة.

تكليف ميقاتي بأصوات الشيعة ونصف أصوات السنة، وامتناع الكتلتين المسيحيتين الأكبر عن التصويت، يطرح علامات استفهام وملاحظات حيال مصير الاستحقاق المقبل والاهم، ليس تشكيل الحكومة، وقد بات أمراً ثانوياً في ظل المعلومات الأكيدة ان ميقاتي يتجه الى تعويم حكومته مع تعديلات تُدخل وجوهاً جديدة وتستبدل الفاشلين في حكومته الحالية، وإنما استحقاق انتخاب رئيس جديد للجمهورية بنهاية تشرين الاول المقبل.

اول هذه العلامات يتصل بما سيكون عليه الموقف السني والشيعي في التصويت للرئيس المسيحي بعدما انكفأ المسيحيون عن المشاركة في عملية التكليف. وفي هذا الإطار، ثمة من يقول ان الأخطاء المتكررة التي يقدم عليها المسيحيون، كل من موقعه وحساباته، ستؤدي الى استكمال حلقات الاستئثار، بحيث ستكون الكلمة الفصل في هذا الاستحقاق مرة جديدة للحزب وحليفه.

ان عدم تسمية تكتل “لبنان القوي” لميقاتي لن يعطيه الحق في فرض شروطه عليه في التأليف وفي المطالبة بحصة وزارية وازنة كما فعل خلال مفاوضات التكليف. واذا كان هذا يعني الذهاب الى تعطيل جهود التأليف، فلن يكون ميقاتي ممانعاً بل سيكون صلبان ومتماسكاً في وجه المطالَب الباسيلية، كما يتضح من اوساط زواره. فهو اكتسب شرعية ترؤسه لحكومة يعمل على تأليفها. واذا لم ينجح، فهذا لا يخلع عنه تلك الشرعية التي ستتيح له هامش تحرك واسع في الأشهر القليلة الفاصلة عن موعد الاستحقاق الرئاسي. كما انها ستتيح له الهامش عينه في حال عجز البرلمان عن انتخاب رئيس وتحول صلاحيات الرئاسة الى الحكومة مجتمعة. فوضعية رئيس مكلف ستكون أفضل بكثير من وضعيته رئيس حكومة تصريف اعمال وأفضل من وضعية الحكومة المستقيلة نفسها.

اما اذا نجحت مشاورات ميقاتي الجارية حالياً والتي سيستكملها مع الاستشارات النيابية غير الملزمة الأسبوع المقبل، فهو يعتزم اجراء تطعيم لحكومته فقط، ويضع الصيغة المعدلة على طاولة رئيس الجمهورية، رامياً كرة التعطيل لديه ولدى فريقه السياسي، اذا كان هذا الفريق قادراً على تحمل تبعات تعطيل على مسافة أشهر معدودة من انتهاء الولاية الرئاسية.
ان عدم تسمية “القوات اللبنانية” لميقاتي من دون اللجوء الى تسمية السفير نواف سلام او اي شخصية سنية ادى ضمناً وعملياً الى تكليف الرجل لأنه الزم باسيل وتياره بقرارهما عدم تسميته، من دون ايضاً ان يعمدا الى تسمية سلام.

ان انكفاء الكتل المسيحية والدرزية وحتى التغييرية والمستقلة عن التسمية والمشاركة في الحكومة العتيدة اطلق يد الحزب على نطاق واسع. وكان بارزاً أمس موقف رئيس كتلة “الوفاء للمقاومة” النائب محمد رعد الداعي الى تشكيل حكومة مصغرة تختصر الوزارات كي لا تضيع الأشهر القليلة المتبقية في توزيع الحصص، محدداً أولويات هكذا حكومة بانقاذ الوضع النقدي وتأمين الكهرباء واقرار خطة التعافي وتثبيت سعر الصرف وتنشيط الحركة الاقتصادية، وتأمين المواد الغذائية والطبية والحد الأدنى من الرعاية التي تسهم في تحسين الإنتاجية. وهي عناوين تدغدغ مشاعر اللبنانيين وتلامس حاجاتهم اليومية. وهذا يشي بأن الحزب يدفع في اتجاه تفعيل الحكومة تحت هذه العناوين.