تشكيل الحكومة اللبنانية الجديدة مهمة معقدة تسابق فراغا رئاسيا محتملا

يجمع محللون على أن عملية تشكيل الحكومة اللبنانية الجديدة ستكون صعبة، نظراً إلى التعقيدات السياسية التي تشهدها البلاد، فيما تتالت التحذيرات من تأثير إطالة أمد التشكيل الحكومي على خطة الإصلاح الاقتصادي التي يطالب بها المانحون للإفراج عن الأموال.

وبالرغم من تكليف نجيب ميقاتي بتشكيل الحكومة اللبنانية، تساهم عوامل داخلية وخارجية في رسم صورة المرحلة المقبلة للبلاد. وسواء تمكن ميقاتي من تشكيل الحكومة أم لا، سيبقى الرجل على رأس السلطة التنفيذية في البلاد، كونه رئيس حكومة تصريف الأعمال.




والخميس كلف الرئيس اللبناني ميشال عون ميقاتي بتشكيل الحكومة بناء على استشارات نيابية نال فيها ميقاتي 54 صوتاً، مقابل 25 صوتاً لصالح نواف سلام سفير لبنان السابق لدى الأمم المتحدة، فيما امتنع 46 نائباً عن تسمية أحد.

وكان ميقاتي (رجل الأعمال والملياردير 66 عاماً) على رأس الحكومة الأخيرة في البلاد منذ سبتمبر 2021 بعد فراغ دام 13 شهراً، قبل أن تتحول إلى حكومة تصريف أعمال في مايو الماضي عقب الانتخابات البرلمانية.

وبحسب الأعراف السياسية في النظام اللبناني، يعود منصب رئيس الجمهورية في لبنان إلى الطائفة المارونية (مسيحي) ومنصب رئيس مجلس النواب إلى الطائفة الشيعية، ومنصب رئيس مجلس الوزراء إلى الطائفة السنية.

وغالبا ما يستغرق تشكيل الحكومات في لبنان أشهرا طويلة جراء الانقسامات السياسية، لكن الانهيار الاقتصادي والمالي الذي فاقمه انفجار مرفأ بيروت وتداعيات جائحة كورونا، عوامل تجعل تشكيلها أمرا ملحاً.

لكن هذا الاستحقاق السياسي الجديد في لبنان يأتي قبيل 4 أشهر على انتهاء ولاية عون في رئاسة الجمهورية (2016 – 2022) ما قد يزيد من تعقيدات المشهد السياسي وسط توقعات بتأخر انتخاب رئيس جديد للبلاد.

وتنتهي ولاية عون في الحادي والثلاثين من أكتوبر 2022 بعدما انتخبه أعضاء البرلمان بالاقتراع السري في 2016 لينهي آنذاك فراغا رئاسيا استمر 29 شهراً بسبب خلافات داخلية حالت دون التوافق على شخصية الرئيس.

ويقول المحلل السياسي أمين قمورية إن ميقاتي لن يستطيع تشكيل حكومة خلال هذه الفترة، إنما قد يلجأ إلى إجراء تعديل وزاري في حكومته، شرط أن يحظى بموافقة البرلمان على ذلك.

وأرجع قمورية ذلك إلى وجود خلافات بين الأحزاب السياسية الممثلة في البرلمان، لاسيما بعد نتائج الانتخابات النيابية الأخيرة وما نتج عنها من تغيرات في موازين القوى.

ووفق نتائج الانتخابات، خسر حزب الله والتيار الوطني الحر وحلفاؤهما الأغلبية النيابية، بعدما تراجع عدد مقاعدهم من 71 إلى 60 فيما توزعت المقاعد الـ68 المتبقية على قوى مختلفة.

وأشار قمورية إلى أن فرنسا وبعض الدول العربية تدعم بقاء ميقاتي في رئاسة الحكومة من أجل تمرير بعض الأمور المطلوبة من لبنان في هذه المرحلة، لكن ذلك لا يعني أن ميقاتي قد يتمكن من تشكيل حكومة جديدة.

ويسعى لبنان لتنفيذ إصلاحات إدارية ومالية وإقرار خطة للتعافي الاقتصادي بهدف التوصل إلى اتفاق استدانة مع صندوق النقد الدولي، كما تحاول بيروت إعادة ترميم العلاقة مع عواصم خليجية عدة أبرزها الرياض.

وكانت العلاقة بين بيروت والرياض تتسم بالدفء على مدى عقود، قبل أن تهتز بعد وصول عون، حليف جماعة حزب الله المدعومة من إيران، إلى سدة الرئاسة، إضافة إلى تدخل حزب الله في حرب اليمن.

وأما في حال وقوع البلاد في الفراغ الرئاسي بعد 4 أشهر حال عدم انتخاب رئيس جديد للبلاد، فإن حكومة تصريف الأعمال التي يرأسها ميقاتي أو تلك التي سيشكلها ستقوم بدور رئاسة الجمهورية.

وهكذا، فإن حكومة ميقاتي ستحكم البلاد في الفترة المقبلة، وذلك من خلال القرارات التي تتخذ بالإجماع داخل مجلس الوزراء، ولذلك قد نشهد بعض التعديلات الوزارية بما يتوافق مع التركيبة الجديدة للبرلمان.

غراف

ويتفق الكاتب السياسي طوني بولس مع قمورية بأن هناك غطاء دولياً لبقاء ميقاتي رئيساً للحكومة، مشيراً إلى أن تسمية ميقاتي مجدداً تعطيه شرعية، ما يمكنه من الاستمرار بالحكومة في حال عدم تشكيل حكومة جديدة.

ولفت بولس إلى أن الحكومة ستسهل الوصول إلى تسوية إقليمية تتمثل في ترسيم الحدود البحرية مع إسرائيل من خلال تراجع لبنان عن الخط 29 الحدودي، وتطبيق اتفاق تمرير الغاز المصري إلى لبنان عبر خط الغاز العربي. واعتبر أن الترتيبات والتشعبات الإقليمية المرتبطة بلبنان تتطلب أن تستمر الحكومة ذاتها برئاسة ميقاتي، أقله إلى حين انتهاء عهد عون.

ويتنازع لبنان وإسرائيل على منطقة حدودية بحرية غنية بالنفط والغاز، حيث استقدمت إسرائيل مطلع الشهر الحالي سفينة مخصصة لاستخراج الغاز من تلك المنطقة، ما عدها لبنان تحركات استفزازية وطالب بوقفها.

ورأى المتحدث ذاته أن لبنان متجه نحو فراغ رئاسي، وستكون حكومة تصريف الأعمال برئاسة ميقاتي هي من تدير البلاد وتقوم بمهمات رئيس الجمهورية في المرحلة المقبلة.

وهذا الواقع سيستمر في الفترة المقبلة إلى حين انتخاب رئيس جديد للجمهورية، وقد تمتد هذه الفترة عدة أشهر إضافية، وربما إلى ما بعد عام 2023 وذلك إلى حين إتمام التسويات المرتبطة بالمنطقة.

◙ سواء تمكن ميقاتي من تشكيل الحكومة أم لا، سيبقى الرجل على رأس السلطة التنفيذية في البلاد كونه رئيس حكومة تصريف الأعمال

وبدوره قال الكاتب السياسي وائل نجم إن تشكيل حكومة جديدة سيكون صعباً بالنظر إلى توزّع الأصوات في المجلس النيابي واختلاف مطالب الكتل النيابية. وأضاف نجم أن الوضع في المرحلة المقبلة مفتوح على كل الاحتمالات، خاصة بالنسبة إلى الانتخابات الرئاسية.

وأما في ما خص الوضع الداخلي والاقتصادي، فيتوقع نجم أن يزداد صعوبة في ظل انسداد أفق الحلول السياسية، وكذلك في ظل ارتفاع وتيرة الصراعات في المنطقة.

وتابع “هناك قلق وخشية حقيقية من خروج الأمور إلى مواجهة محدودة مع كيان الاحتلال الإسرائيلي، خصوصا في ما يتعلق بالصراع حول النفط والغاز ومشاكل أخرى مرتبطة بملفات المنطقة”.

ومنذ أكثر من عامين ونصف يعاني لبنان من أزمة اقتصادية حادة غير مسبوقة مع انهيار قياسي في قيمة العملة المحلية الليرة مقابل الدولار، وشح في الوقود والأدوية وارتفاع أسعار المواد الغذائية.

وحذر ميقاتي الخميس من أن بلاده تقف أمام “تحدي الانهيار التام أو الإنقاذ التدريجي”، لافتا إلى “أننا أضعنا ما يكفي من الوقت”، وأن لبنان “خسر الكثير من فرص الدعم من الدول الشقيقة والصديقة”.

وحث ميقاتي القوى السياسية على التعاون “على إنقاذ وطننا وانتشال شعبنا مما يتخبط فيه، لأن مسؤولية الإنقاذ مسؤولية جماعية”. وأكد أن “الفرص لا تزال سانحة لإنقاذ ما يجب إنقاذه (..) والمهم أن نضع خلافاتنا واختلافاتنا جانبا”.

وشدد على أنه “لم نعد نملك ترف الوقت والتأخير والغرق في الشروط والمطالب، وأضعنا ما يكفي من الوقت وخسرنا الكثير من فرص الدعم من الدول الشقيقة والصديقة التي لطالما كان موقفها واحدا وواضحا؛ ساعدوا أنفسكم لنساعدكم”.